يشهد التخزين والتوزيع في السعودية تحديثاً متسارعاً ضمن رؤية 2030، تحرّكه نمو التجارة الإلكترونية ومتطلبات لوجستيات استيراد الغذاء ونشاط البناء وطموح المملكة في التحوّل إلى مركز لوجستي إقليمي. وقد ارتفع رصيد المنشآت اللوجستية الحديثة من نحو 3 ملايين متر مربع عام 2020 إلى أكثر من 6 ملايين متر مربع بحلول عام 2025، مع مليارات الريالات من التطويرات الجارية.
هيكل السوق وحجمه
يضمّ سوق التخزين السعودي عدة فئات من المنشآت: المستودعات في درجة الحرارة العادية للسلع العامة والبضائع الصناعية، والمنشآت المتحكّم في درجة حرارتها لتخزين الأغذية والأدوية والمواد الكيميائية، والمنشآت المتخصصة للمواد الخطرة والسيارات وتوصيل التجارة الإلكترونية.
وقد اتّسم السوق تاريخياً بملكية متشعّبة، إذ طوّرت كثير من المنشآت بوصفها ملكية يستخدمها الشركات التجارية والموزّعون بأنفسهم. غير أن المنشآت اللوجستية ذات المستوى المؤسسي التي يطوّرها مشغّلون محترفون ومستثمرون في العقارات تتنامى بوتيرة متسارعة، مما يرفع جودة وكفاءة المخزون العقاري اللوجستي.
وتتمركز أكبر التجمعات للمنشآت اللوجستية في المناطق الصناعية بالرياض (ولا سيما المدينة الصناعية الثانية والثالثة) وممر اللوجستيات الجنوبي في جدة والمناطق الصناعية المجاورة للميناء في الدمام. وتُوفّر هذه المواقع قرباً من الأسواق الاستهلاكية وبوابات الموانئ ومراكز الإنتاج الصناعي.
وتتجاوز إيرادات القطاع اللوجستي السنوية 80 مليار ريال سعودي، شاملةً النقل والتخزين والشحن والتوصيل والوساطة الجمركية والخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة. ويستوعب القطاع أكثر من 900,000 عامل ويضمّ آلاف الشركات اللوجستية التي تتراوح بين مزوّدي اللوجستيات الخارجية (3PL) العالميين وشركات الشحن الصغيرة.
المناطق اللوجستية والمنشآت الحديثة
طُوّرت مناطق لوجستية متكاملة لتوفير منشآت ذات جودة مؤسسية مع بنية تحتية وخدمات مشتركة. وتُقدّم المنطقة اللوجستية المربوطة المتكاملة (ILBZ) بالقرب من مطار الملك خالد الدولي في الرياض تخزيناً جمركياً مزوّداً بمزايا تنافسية لتوزيع الواردات وإعادة التصدير والمعالجة ذات القيمة المضافة.
وتُقدّم مجمّع تصدير اللوجستي الذي طوّره صندوق التنمية الصناعية السعودي منشآت لوجستية جاهزة للمشغّلين الصغيرة والمتوسطة. وطوّر مشغّلو القطاع الخاص — من بينهم Agility وGWC وAl Issa Group — مناطق لوجستية متعددة تُقدّم بناءً مخصصاً وتطويراً استباقياً للمستأجرين المؤسسيين.
وتتميّز المنشآت اللوجستية الحديثة بارتفاع صافٍ عالٍ (من 12 إلى 15 متراً) وأرصفة تحميل واسعة وأنظمة قمع الحرائق والبنية التحتية للأمن وأنظمة الرفوف التي تُعظّم كثافة التخزين. وتضمّ المنشآت المتقدمة أنظمة إدارة المستودعات (WMS) وتتبّع الباركود والرقائق اللاسلكية (RFID) ومعدات مناولة المواد الآلية.
ويُتيح تطوير مرافق الموانئ الجافة في مواقع داخلية إمكانية التخليص الجمركي بعيداً عن بيئات الموانئ البحرية المزدحمة. ويمكن تخليص الحاويات وإطلاقها في الموانئ الجافة، مما يُقلّص رحلات الشاحنات إلى الموانئ ويُوزّع معالجة الجمارك على مواقع متعددة.
البنية التحتية للسلسلة الباردة
توسّعت البنية التحتية للوجستيات المتحكّم في درجة حرارتها توسّعاً ملحوظاً، مدفوعةً باعتماد المملكة العربية السعودية على استيراد المنتجات الغذائية ونمو توزيع الأدوية وارتفاع توقعات المستهلكين من حيث النضارة والجودة.
يتجاوز إجمالي طاقة التخزين البارد 3 ملايين موضع منصّة نقل، يُشغّلها خليط من مشغّلي السلسلة الباردة المتخصصين وموزّعي الأغذية وشركات اللوجستيات المتكاملة. ويضمّ كبار مزوّدي السلسلة الباردة شركات نقل مزوّدة بوحدات Thermo King ومشغّلي مستودعات التبريد المتخصصة وشركات لوجستيات الأغذية المتكاملة.
وتخدم السلسلة الباردة الطيفَ الكامل من درجات الحرارة، من المجمّد (-25 درجة مئوية) إلى المبرّد (0-5 درجات مئوية) وصولاً إلى درجة الحرارة المحيطة المضبوطة (15-25 درجة مئوية). وقد تعزّزت قدرات السلسلة الباردة الصيدلانية، بما فيها التخزين المتحقق عند درجتَي مئويتين إلى ثماني درجات مئوية للقاحات والمستحضرات البيولوجية، في أعقاب حملة التطعيم ضد كوفيد-19.
وتتولى مرافق التخزين البارد المجاورة للموانئ في جدة والدمام استقبال الأغذية المجمّدة والمبرّدة المستوردة وفحصها عند الوصول الأوّلي. وتُقدّم شبكات مراكز التوزيع في كبرى المدن الطاقة النهائية للتخزين والتسليم لعملاء تجزئة الغذاء وخدمات الطعام.
وتدفع اشتراطات سلامة الغذاء لدى الهيئة السعودية للغذاء والدواء نحو الاستثمار في مراقبة السلسلة الباردة وإمكانية التتبع. ويجري بصورة متنامية إلزام الفئات المنتجية الحساسة للحرارة بتسجيل درجات الحرارة وتتبع المركبات وتوثيق سلسلة الحيازة.
توصيل التجارة الإلكترونية
أفرز نمو التجارة الإلكترونية طلباً جديداً على بنية تحتية لمراكز التوصيل محسّنة لعمليات التقاط الطلبات الفردية وتغليفها وتوصيل المسافة الأخيرة. وتختلف مراكز توصيل التجارة الإلكترونية عن المستودعات التقليدية في تركيزها على سرعة الالتقاط ودقة الطلب والقدرة على التوصيل في اليوم ذاته أو اليوم التالي.
وقد استثمرت كبرى منصات التجارة الإلكترونية من بينها Noon وAmazon.sa وJarir في بنية تحتية للتوصيل عبر مدن سعودية متعددة. ويمتد مركز توصيل Noon في الرياض على أكثر من 100,000 متر مربع، ويوظّف أنظمة فرز وناقلات وتغليف آلية لمعالجة عشرات الآلاف من الطلبات يومياً.
وتوسّعت بنية توصيل المسافة الأخيرة من خلال تطوير مراكز الفرز ومحاور التوصيل الصغيرة وشبكات خزائن الاستلام. وتُشغّل شركات من بينها SMSA Express وAramex وNaqel وFetchr شبكات توصيل واسعة بأساطيل تتراوح بين مئات وآلاف المركبات.
وقد ظهرت المتاجر المظلمة ومنشآت التجارة الخاطفة التي تُتيح توصيلاً فائق السرعة للبقالة ومنتجات الضرورة اليومية في كبرى المناطق الحضرية. وتُحسَّن هذه المنشآت للسرعة لا لكفاءة التخزين، مع الاحتفاظ بمخزون محدود من المنتجات الأعلى طلباً للتوصيل في غضون 15 إلى 30 دقيقة.
اللوجستيات الخارجية (3PL)
نضج سوق اللوجستيات الخارجية مع تصاعد إقبال الشركات على الاستعانة بمزوّدين متخصصين لتشغيل لوجستياتها. ويُحافظ مشغّلو اللوجستيات الخارجية الدوليون — من بينهم DHL Supply Chain وAgility وCEVA Logistics وKuehne+Nagel — على عمليات سعودية ضخمة، مُقدِّمين خدمات التخزين والتوزيع وإدارة الشحن والخدمات ذات القيمة المضافة.
ويخدم مزوّدو اللوجستيات الخارجية المحليون من بينهم القسم اللوجستي لـAl Bathaa Group وAl Madinah Group والمشغّلون المتخصصون المتطلباتِ اللوجستية المحلية والإقليمية. وتجمع هذه الشركات بين القدرة التشغيلية اللوجستية ومعرفة الاشتراطات التنظيمية السعودية وإجراءات الجمارك وخصائص السوق.
ويتنامى عقد اللوجستيات المخصصة حيث يُدير مزوّد لوجستيات خارجية عملية سلسلة التوريد الكاملة للعميل من خلال عقد طويل الأمد. وتُقدّم العمليات المخصصة حلولاً مخصصة للعملاء ذوي المتطلبات اللوجستية المعقدة، بما فيها توزيع الأدوية ولوجستيات قطع غيار السيارات وسلاسل توريد السلع الاستهلاكية متسارعة الدوران.
وتُيسّر خدمات الشحن والتوصيل والوساطة الجمركية لوجستيات التجارة الدولية. ويُبسّط دمج التخليص الجمركي مع إدارة الشحن في عروض خدمات متكاملة عمليات الاستيراد والتصدير للشركات التجارية.
التكنولوجيا والأتمتة
يتسارع الاستثمار في أتمتة المستودعات. وتجري تجربة أنظمة التخزين والاسترجاع الآلية (AS/RS) وأنظمة الناقلات ومعدات الفرز وحلول الالتقاط الآلي بالروبوت في كبرى المنشآت اللوجستية. ويتعزّز الجدوى الاقتصادية للأتمتة في السياق السعودي بارتفاع تكاليف العمالة واشتراطات السعودة والحاجة إلى سرعة الإنتاجية في عمليات التجارة الإلكترونية.
وحقّقت أنظمة إدارة المستودعات انتشاراً واسعاً، حيث تُتيح منصات نظام إدارة المستودعات القائمة على السحابة رؤية مخزون فورية وإدارة الطلبات وتحليلات الأداء. ويُنشئ التكامل بين نظام إدارة المستودعات وأنظمة إدارة النقل (TMS) وأنظمة تخطيط موارد المؤسسات (ERP) رؤية شاملة لسلسلة التوريد من طرف إلى طرف.
ويشمل نشر تقنية إنترنت الأشياء تتبّع المنصات والحاويات والرصد البيئي في عمليات السلسلة الباردة وقياس استخدام المعدات. وتُوفّر أجهزة الاستشعار المتصلة بيانات تُمكّن من الصيانة التنبؤية وتحسين دقة المخزون وتحسين العمليات.
وتجري تجربة الروبوتات المتنقلة ذاتية التشغيل (AMRs) في عمليات المستودعات للمساعدة في التقاط البضائع من الشخص ورصد المخزون والنقل الداخلي. وعلى الرغم من أن تشغيل المستودعات بالكامل ذاتياً لا يزال مستقبلياً، فإن الأتمتة التدريجية عبر الروبوتات المتنقلة ذاتية التشغيل والروبوتات التعاونية تُحسّن الإنتاجية بصورة ملموسة.
التحديات
تُقيّد توافر الأراضي وتكلفتها في المواقع اللوجستية المفضّلة، ولا سيما في الرياض وجدة، تطوير المنشآت. وقد ارتفعت قيم أراضي اللوجستيات ارتفاعاً ملحوظاً، معكسةً قيود العرض وتنامي الطلب. وتُؤخَذ المنشآت اللوجستية متعددة الطوابق وحلول الرفوف ذات الكثافة الأعلى بالاعتبار لتحسين استغلال الأراضي.
وتظل توافر العمالة وتكلفتها تحديَّين متواصلَين. إذ يوظّف قطاعا التخزين والتوزيع أعداداً كبيرة من العمال في عمليات التحميل والالتقاط والتغليف والتوصيل. وتُلزم اشتراطات السعودة بحدود دنيا من التوظيف للسعوديين، في حين تُفرز الطبيعة الجسدية المجهدة لعمل اللوجستيات ومنافسة القطاعات الأخرى تحديات استقطاب.
ويتباين توصيل البنية التحتية، بما فيها جودة الوصول الطرقي وموثوقية المرافق وتوصيل الاتصالات في مواقع المنشآت اللوجستية. وتعاني بعض المواقع في المناطق الصناعية من ازدحام الطرق وعدم كفاية الصرف الصحي أو عدم انتظام المرافق مما يؤثر على الكفاءة التشغيلية اللوجستية.
التوقعات
يقف قطاع التخزين والتوزيع السعودي على عتبة نمو مستدام مدفوع بتوسّع التجارة الإلكترونية ونمو أحجام استيراد الغذاء والطلب اللوجستي لمواد البناء وتطوير المملكة بوصفها مركزاً لوجستياً إقليمياً.
ومن المتوقع أن يتجاوز إجمالي رصيد المنشآت اللوجستية الحديثة 12 مليون متر مربع بحلول عام 2030، مع تنامي نسبة المنشآت الآلية والمتحكّم في درجة حرارتها والمحسّنة للتجارة الإلكترونية. وستُحسّن احترافية العقارات اللوجستية من خلال التطوير والاستثمار المؤسسي جودةَ المنشآت والكفاءة التشغيلية في القطاع بأسره.
وسيُحوّل تقاطع العمليات اللوجستية مع التقنيات الرقمية — بما فيها تخطيط الطلب المعتمد على الذكاء الاصطناعي والتوصيل ذاتي التشغيل وإمكانية تتبع سلسلة التوريد عبر البلوك تشين — قطاعَ التخزين والتوزيع من مركز تكلفة إلى قدرة استراتيجية تُمكّن الشركات السعودية من اكتساب ميزة تنافسية.