تحتل المملكة العربية السعودية مكانةً فريدة في التمويل الإسلامي العالمي بوصفها مهد الخدمات المالية المتوافقة مع الشريعة وأكبر سوق للتمويل الإسلامي في العالم. فمع عمل ما يزيد على 70 بالمئة من أصول المنظومة المصرفية وفق مبادئ الشريعة الإسلامية، وهيمنة حاسمة في إصدار الصكوك عالمياً، وقطاع تكافل شامل، تُعدّ المملكة مركزَ ثقل صناعة التمويل الإسلامي العالمية.
الحجم السوقي والمكانة العالمية
تشمل خدمات التمويل الإسلامي في المملكة العربية السعودية أصولاً تتجاوز 3.5 تريليون ريال، تُمثّل نحو ربع سوق التمويل الإسلامي العالمي. وتعكس هذه المكانة ضخامةَ اقتصاد المملكة وديانة سكانها والبيئة التنظيمية التي تنسجم بطبيعتها مع الهياكل المتوافقة مع الشريعة.
وتحتضن المملكة أربعةً من أكبر عشرة مصارف إسلامية عالمياً بحسب الأصول: مصرف الراجحي وبنك الإنماء وبنك الجزيرة والبنك الأهلي السعودي الذي يُشغّل نافذة إسلامية مهمة. وتتجاوز القيمة السوقية لمصرف الراجحي منفرداً 90 مليار دولار، مما يجعله أكثر المصارف الإسلامية قيمةً على مستوى العالم.
وتحتل المملكة العربية السعودية باستمرار المرتبة الأولى عالمياً في إصدار الصكوك، إذ يُصدر القطاعان الحكومي والمؤسسي مئات المليارات من الريالات سنوياً. وأرسى برنامج الصكوك السيادية في المملكة منحنيات عوائد مرجعية تُشكّل مراجع تسعير للسوق الأشمل.
الخدمات المصرفية المتوافقة مع الشريعة
يُعدّ القطاع المصرفي السعودي الأعلى مستوىً في اختراق الخدمات المصرفية الإسلامية بين الاقتصادات الكبرى. ويعمل المصرفان الإسلاميان الكاملان مصرف الراجحي وبنك الإنماء حصرياً وفق مبادئ الشريعة. أما البنوك التقليدية كالبنك الأهلي السعودي وبنك الرياض والبنك السعودي البريطاني SABB فتُشغّل نوافذ إسلامية مهمة تُقدّم الطيف الكامل من المنتجات المتوافقة مع الشريعة جنباً إلى جنب مع الخدمات التقليدية.
وتُبنى المنتجات المصرفية الإسلامية الجوهرية على عقود شرعية أساسية. وتهيمن المرابحة (التمويل بهامش الربح) على تمويل الشركات والتجارة. أما الإجارة (التمويل القائم على الإيجار) فتُستخدم على نطاق واسع لتمويل المعدات والمركبات. وتدعم هياكل المشاركة تمويلَ العقارات ومشاريع البنية التحتية. أما التورق (مرابحة السلع) فيُتيح حلولاً للتمويل الشخصي، وإن أثار هذا الهيكل جدلاً فقهياً حول مدى توافقه مع مبادئ الشريعة.
ومثّل تمويل الرهن العقاري محرّكاً رئيسياً للنمو، إذ تُهيكَل منتجات التمويل الإسلامي للمسكن وفق ترتيبات المشاركة المتناقصة أو الإجارة المنتهية بالتمليك. وتُتيح هذه الهياكل تملّك المساكن دون ديون تقليدية بفوائد، منسجمةً مع متطلبات الشريعة وأهداف الإسكان في رؤية 2030.
وتعمل الحوكمة الشرعية على المستويَيْن المؤسسي والوطني. إذ يحتفظ كل مصرف إسلامي بهيئة شرعية مكوّنة من علماء متخصصين يراجعون هياكل المنتجات ويُجيزون الطروح الجديدة ويُراجعون الامتثال. ويُقدّم ساما توجيهات تنظيمية شاملة حول معايير الالتزام الشرعي، مما يضمن الاتساق في المنظومة المصرفية.
الريادة في سوق الصكوك
بلغت سوق الصكوك في المملكة حجماً وتطوراً ملحوظَيْن. وتتجاوز الصكوك الحكومية القائمة 700 مليار ريال، مع إصدارات محلية شهرية منتظمة عبر آجال متعددة تُرسي منحنى عوائد شاملاً متوافقاً مع الشريعة. وتُكمّل إصدارات الصكوك السيادية الدولية بالدولار الأمريكي واليورو البرنامجَ المحلي، مستقطبةً مشاركة المستثمرين المؤسسيين العالميين.
ونمّت الصكوك المؤسسية نمواً ملحوظاً، إذ وصلت أرامكو السعودية وstc والبنوك الكبرى ومطوّرو العقارات إلى سوق الصكوك للتمويل لأجل. وتتجاوز الصكوك المؤسسية القائمة 150 مليار ريال بهياكل ممتدة من الإجارة والمضاربة والأطر الهجينة.
ويستفيد سوق الصكوك السعودي من عمق الطلب المحلي من المستثمرين. إذ تحتفظ البنوك وصناديق التقاعد وشركات التأمين وصناديق الاستثمار بتخصيصات صكوك مهمة، مُتيحةً طلباً موثوقاً للإصدارات الجديدة. وحسّن تطوير تداول السوق الثانوية على منصة الدخل الثابت في تداول السيولةَ، وإن بقيت نسب الدوران دون معايير أسواق السندات التقليدية.
ويتواصل الابتكار في هياكل الصكوك. فقد أُدرجت الصكوك الخضراء والصكوك المرتبطة بالاستدامة والصكوك الاجتماعية، موافِقةً التمويلَ المتوافق مع الشريعة مع الأهداف البيئية والاجتماعية. ويُمثّل تلاقي مبادئ التمويل الإسلامي مع أطر الاستثمار في معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG) توافقاً طبيعياً يستقطب اهتمام المستثمرين الدوليين.
التكافل
يتوافق نموذج التأمين التعاوني في المملكة طبيعياً مع مبادئ التمويل الإسلامي. ويعمل التكافل (التأمين الإسلامي) على أساس تبادل المخاطر التعاونية، حيث يُساهم حاملو الوثائق في صندوق مشترك تُسدَّد منه المطالبات. وتُوزَّع الفوائض على حاملي الوثائق، مما يُميّز النموذج عن التأمين التقليدي الخاضع للملكية.
ويتنافس المشغّلون المتخصصون في التكافل، كالراجحي للتكافل ووالاء للتأمين وسلامة للتأمين التعاوني، جنباً إلى جنب مع شركات التأمين التعاوني التي تُدرج مبادئ التكافل. وتمتد فئات المنتجات من التكافل الصحي والمركبات وتكافل الممتلكات إلى التكافل العائلي (المعادل الإسلامي للتأمين على الحياة).
ويبقى التكافل العائلي، الذي يُقدّم منتجات ادخار وحماية متوافقة مع الشريعة، متخلفاً نسبةً إلى إمكانات السوق. وتُمثّل معدلات الاختراق المنخفضة لمنتجات الحماية الطوعية فرصةً للنمو، لا سيما مع تحسّن المعرفة المالية وتصاعد الوعي بالتخطيط للتقاعد.
أسواق رأس المال الإسلامية
يُتيح الإطار التنظيمي لـهيئة السوق المالية منتجات استثمارية متوافقة مع الشريعة عبر فئات أصول متعددة. وتوفر الصناديق الأسهمية الإسلامية المُصفَّاة وفق معايير القطاع والنسب المالية للمستثمرين إمكانية الوصول إلى محافظ أسهم متوافقة مع الشريعة. وكان تكاثر العروض الصندوقية الإسلامية من أبرز سمات نمو صناعة إدارة الأصول.
وتوفر الصناديق الإسلامية المتداولة في البورصة (ETFs) المدرجة في تداول وصولاً فعّالاً إلى مؤشرات الأسهم المُصفَّاة وفق الشريعة، مُتيحةً خيارات استثمار سلبي منخفض التكلفة للمستثمرين الأفراد والمؤسسيين. وتوفر صناديق ETF الإسلامية الدولية تنويعاً عالمياً ضمن المعايير الشرعية.
وتستثمر صناديق الاستثمار العقاري الإسلامية في أصول عقارية متوافقة مع الشريعة، مُستبعِدةً العقارات ذات التعرّض المهم لأنشطة محظورة. ويتضمن سوق الصناديق العقارية المدرجة عدة أدوات إسلامية صريحة، وإن كان انسجام الإطار الأشمل لصناديق الاستثمار العقاري مع المبادئ التعاونية يضمن القبول الشرعي الواسع.
وجذبت صناديق الأسهم الخاصة ورأس المال الجريء المهيكَلة وفق المبادئ الإسلامية رأسماً مؤسسياً مهماً، إذ تستوعب هياكل الشراكة المضاربة والمشاركة خصائص تقاسم المخاطر في استثمارات الأسواق الخاصة.
الإطار التنظيمي والمؤسسي
يُقدّم SAMA وCMA الرقابة التنظيمية التي تستوعب التمويل الإسلامي ضمن تنظيم مالي شامل. وبدلاً من تشغيل إطار تنظيمي إسلامي منفصل، يدمج المنظمون السعوديون متطلبات الامتثال الشرعي ضمن البنية التنظيمية الأشمل، مما يضمن معايير احترازية متسقة عبر المؤسسات المالية التقليدية والإسلامية.
وتطوّر نهج البنك المركزي السعودي في تنظيم الخدمات المصرفية الإسلامية لمعالجة خصائص المخاطر الفريدة للمنتجات المالية الإسلامية. وقد يُسِّرت إدارة السيولة، التي مثّلت تقليدياً تحدياً للمصارف الإسلامية بسبب قيود الأدوات التقليدية بين البنوك، من خلال تطوير أدوات سوق المال المتوافقة مع الشريعة وتقديم SAMA تسهيلات السيولة الإسلامية.
وتشارك المملكة بنشاط في هيئات وضع المعايير الدولية للتمويل الإسلامي. إذ يستفيد كل من مجلس الخدمات المالية الإسلامية (IFSB) ومنظمة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) والسوق المالية الإسلامية الدولية (IIFM) من المشاركة السعودية المؤسسية وخبراتها.
الابتكار والتطوير
يتقدم الخدمات المصرفية الإسلامية الرقمية بسرعة. إذ توسّع المصارف الرقمية العاملة حصرياً وفق المبادئ الإسلامية ومنصات التقنية المالية التي تُقدّم منتجات إقراض واستثمار متوافقة مع الشريعة وحلول الدفع بالهاتف الجوال المهيكَلة امتثالاً لمتطلبات الشريعة الوصولَ إلى الخدمات المالية الإسلامية.
وتجري استكشاف تطبيقات تقنية البلوكتشين للتمويل الإسلامي، من بينها الصكوك القائمة على العقود الذكية ووحدات الصناديق الإسلامية المُرمَّزة والشهادة الشرعية المبنية على السجل الموزع. وتنسجم خصائص عدم قابلية التعديل والشفافية في تقنية البلوكتشين مع مبادئ التمويل الإسلامي في وضوح الشروط التعاقدية والإفصاح عن المخاطر.
ويُمثّل التمويل الإسلامي المستدام حدوداً استراتيجياً للنمو. ويُتيح تلاقي معايير الشريعة التي تستبعد الأنشطة المضرة بيئياً مع أطر استثمار ESG توافقاً طبيعياً. وتريادة المؤسسات السعودية الصكوكَ الخضراء ومنتجات الاستثمار الإسلامي المستدام الجاذبة للمستثمرين المدفوعين إما بالإيمان أو بالاستدامة.
التحديات
لا تزال التوحيد تحدياً مستمراً. فرغم التقدم الملحوظ الذي تحقّق عبر وضع معايير AAOIFI وIFSB، يُمكن أن تُوجد الاختلافات في التفسير الفقهي بين العلماء والولايات القضائية تعقيداً للمنتجات المالية الإسلامية عابرة الحدود.
وقد يُخفي تعقيد المنتج الجوهرَ الاقتصادي. فبعض الهياكل المالية الإسلامية، لا سيما مرابحة السلع والتورق، وجد انتقاداً لاستنساخ مآلات تقليدية من خلال معاملات متراكبة. ويستمر الجدل الفقهي حول امتثال بعض الهياكل الشرعي.
وتطوير رأس المال البشري أمر جوهري. إذ يستلزم التمويل الإسلامي متخصصين يجمعون الخبرة المالية بالمعرفة الشرعية، مما يُوجد متطلبات مهارات متخصصة. والبرامج الأكاديمية والشهادات المهنية في التمويل الإسلامي في توسّع لكنها لم تُعالج بعد فجوة الكفاءات الكاملة.
التوقعات
يتمتع قطاع التمويل الإسلامي السعودي بوضع جيد لمواصلة النمو والريادة العالمية. إذ يُتيح السوق المحلي الحجم، والبيئة التنظيمية الاستقرار، والالتزام المؤسسي الاستمرارية. ومن المتوقع أن تتجاوز الأصول المالية الإسلامية العالمية 5 تريليون دولار بحلول عام 2030، مع توقع احتفاظ المملكة العربية السعودية بنحو ربع السوق العالمي.
وتُمثّل تدويل خبرة التمويل الإسلامي السعودية فرصةً استراتيجية. ومع سعي دول آسيا وأفريقيا وآسيا الوسطى إلى تطوير خدماتها المالية الإسلامية، تستطيع المؤسسات السعودية تصدير المعرفة والمنتجات والشراكات. ويتوافق هذا البُعد من القوة الناعمة لريادة التمويل الإسلامي مع الأهداف الأشمل للانخراط الدولي لرؤية 2030.
ويضع دمج التمويل الإسلامي مع أهداف التنمية المستدامة القطاعَ في تقاطع الاستثمار القائم على الإيمان والاستثمار القائم على القيم، مُتيحاً سردية مقنعة تستهوي شرائح مستثمرين عالمية متنوعة.