شهد قطاع التقنية المالية في المملكة العربية السعودية نمواً متسارعاً، إذ تحوّل من نظام بيئي ناشئ إلى أحد أكثر بيئات التقنية المالية ديناميكيةً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويُعيد المشهد السعودي للتقنية المالية، المُرتكز على تنظيم متقدم من SAMA (ساما) وCMA وسياسات حكومية داعمة وقاعدة سكانية شابة منخرطة في الفضاء الرقمي، تشكيل تقديم الخدمات المالية عبر قطاعات المدفوعات والإقراض والتأمين وإدارة الثروات.
الهيكل التنظيمي: صندوق ساما التنظيمي وإطار الترخيص
كان صندوق SAMA التنظيمي، الذي أُطلق عام 2018، حجر الزاوية في تطوير التقنية المالية. إذ يوفر الصندوق بيئةً خاضعة للسيطرة تُمكّن شركات التقنية المالية من اختبار منتجاتها وخدماتها المبتكرة تحت إشراف SAMA، بمتطلبات تنظيمية معدَّلة ومعايير اختبار محددة. وبحلول عام 2025، دخلت أكثر من 45 شركة الصندوقَ في مجالات المدفوعات والإقراض وتكنولوجيا التأمين والخدمات المصرفية المفتوحة.
وجرى تحديد المسار التصاعدي من الصندوق التنظيمي إلى الترخيص الكامل بوضوح. فالشركات التي تُثبت نماذج أعمال قابلة للتطبيق وإدارة مخاطر كافية والامتثال التنظيمي يحق لها التقدم بطلبات الحصول على تراخيص تقنية مالية متخصصة. وأصدر ساما تراخيص عبر فئات متعددة تشمل مزودي خدمات المدفوعات ومنصات التمويل الجماعي القائمة على الدين ومشغّلي الخدمات المصرفية الرقمية.
وتُدير هيئة السوق المالية مختبراً تكميلياً للتقنية المالية يُركّز على تقنيات أسواق رأس المال. يستوعب هذا الصندوق منصات الاستشارة الآلية وبوابات التمويل الجماعي للأسهم ومزودي خدمات الأصول الرقمية، مما يُتيح إطاراً تنظيمياً شاملاً يمتد على أنشطة التقنية المالية في مجالَي الخدمات المصرفية وأسواق رأس المال.
وجرى تقنين التنسيق التنظيمي بين ساما وهيئة السوق المالية من خلال لجنة مشتركة للتقنية المالية، مما يضمن اتساق المناهج التنظيمية ويحول دون اللجوء إلى المراجحة التنظيمية بين مجالَي الخدمات المصرفية وأسواق رأس المال.
التحول في منظومة المدفوعات الرقمية
شهدت منظومة المدفوعات الرقمية في المملكة تحولاً جذرياً. فقد انخفضت نسبة المعاملات النقدية، التي كانت تُمثّل نحو 60 بالمئة من مدفوعات نقاط البيع عام 2016، إلى أقل من 15 بالمئة بحلول عام 2025. وقد تحقّق هدف رؤية 2030 الرامي إلى 70 بالمئة معاملات لا نقدية وتجاوزه فعلياً.
تُشكّل شبكة بطاقات مدى للخصم المباشر، التي تتولى إدارتها المدفوعات السعودية (شركة تابعة لساما)، العمود الفقري للبنية التحتية للمدفوعات المحلية. وتعالج مدى ما يزيد على 8 مليارات معاملة سنوياً عبر 1.4 مليون نقطة بيع مع قبول تاجر شبه عالمي. وكان تبنّي المدفوعات اللاتلامسية سريعاً بصورة استثنائية، إذ تستحوذ المعاملات الممكَّنة بتقنية NFC على أكثر من 70 بالمئة من مدفوعات مدى داخل المتاجر.
رائدت stc Pay (التي تُعرف الآن بـ stc بنك) تبنّي الدفع بالهاتف الجوال، مستقطبةً أكثر من 12 مليون مستخدم قبل تحويلها إلى ترخيص مصرفي رقمي كامل. وقدّم تكاملها مع منظومة stc للاتصالات ميزةً تنافسية في التوزيع، فيما عالجت قدرات التحويل الدولي احتياجاً سوقياً مهماً.
واكتسبت Apple Pay وSamsung Pay وMada Pay قبولاً واسعاً في أوساط مستخدمي الهواتف الذكية. وأوجد تشغيل هذه المنصات بشكل متبادل مع شبكة مدى المحلية تجارب دفع سلسة سرّعت إحلال النقود رقمياً.
إطار الخدمات المصرفية المفتوحة
يُلزم إطار الخدمات المصرفية المفتوحة لساما، الأشمل في المنطقة، البنوكَ بتوفير واجهات برمجية (APIs) موحّدة تُتيح لمزودي الطرف الثالث المرخَّصين الوصول إلى بيانات حسابات العملاء بموافقة صريحة. ويستلهم الإطار من نماذج دولية تشمل المعيار البريطاني للخدمات المصرفية المفتوحة والتوجيه الأوروبي PSD2، مكيَّفةً للسياق التنظيمي السعودي.
يُحدّد الإطار فئتين من مزودي الطرف الثالث: مزودي خدمات معلومات الحساب (AISPs) الذين يصلون إلى بيانات الحسابات لأغراض التجميع والتحليل، ومزودي خدمات بدء الدفع (PISPs) الذين يُبادرون بالمدفوعات مباشرةً من حسابات العملاء المصرفية. وتستلزم كلتا الفئتين الحصول على ترخيص ساما والامتثال لمتطلبات حماية البيانات والأمن السيبراني وحماية المستهلك.
وجرى التطبيق على مراحل. ركّزت المرحلة الأولى على خدمات معلومات الحساب، مُتيحةً تطبيقات إدارة المالية الشخصية وأدوات تقييم الائتمان. وأدخلت المرحلة الثانية قدرات بدء الدفع، مما أتاح لتطبيقات التقنية المالية تنفيذ التحويلات المصرفية ومدفوعات الفواتير دون إعادة توجيه العملاء إلى الواجهات المصرفية.
وحفّز النظام البيئي للخدمات المصرفية المفتوحة نماذج أعمال جديدة. إذ توفر منصات تجميع الحسابات للمستهلكين رؤى موحّدة لمراكزهم المالية عبر بنوك متعددة. وتستثمر منصات الإقراض بيانات الخدمات المصرفية المفتوحة في التصنيف الائتماني، مما يُقلّص الاعتماد على معلومات مكاتب الائتمان التقليدية ويُتيح اتخاذ قرارات الإقراض بسرعة أكبر.
الإقراض والتمويل الجماعي
نما قطاع الإقراض عبر التقنية المالية بصورة ملحوظة، معالجاً ثغرات الإقراض المصرفي التقليدي لا سيما للمنشآت الصغيرة والمتوسطة والمستهلكين الأفراد. وسّهلت منصات التمويل الجماعي القائمة على الدين، المرخَّصة من هيئة السوق المالية، ما يزيد على 3 مليارات ريال في أصول قروض منذ إنشائها، بمتوسط أحجام قروض يتراوح بين 100,000 و5 ملايين ريال للمقترضين من المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
وشهد الاشتراء الآن والدفع لاحقاً (BNPL) تبنّياً سريعاً في أوساط القاعدة الاستهلاكية الشابة في المملكة، مُحوّلاً سلوك المدفوعات. وعالج تابي وتمارة وغيرهم من مزودي الاشتراء الآن والدفع لاحقاً مجتمعَيْن مليارات الريالات في مدفوعات الأقساط الممولة من التجار، متكاملين مع منصات التجارة الإلكترونية وأنظمة نقاط البيع. وأدخل ساما لوائح مخصصة للاشتراء الآن والدفع لاحقاً تُعالج حماية المستهلك وتقييم الائتمان وحدود الأقساط القصوى.
وظهرت منصات التمويل الأصغر والسلف على الراتب لخدمة الشرائح ذات الدخل الأدنى، مستثمرةً مصادر بيانات بديلة تشمل استخدام الاتصالات وتاريخ سداد الفواتير والتحقق من التوظيف في تقييم الائتمان. وتُعالج هذه المنصات أهداف الشمول المالي المنسجمة مع أهداف التنمية الاجتماعية لرؤية 2030.
تقنية التأمين وتقنية إدارة الثروات
استقطبت تكنولوجيا التأمين (InsurTech) استثمارات واسعة وابتكارات ملموسة. وتُعالج منصات InsurTech نقاط الألم في سوق التأمين التعاوني، بما تشمله من إجراءات إعداد مُعقّدة وعدم كفاءة في إدارة المطالبات وقيود في توزيع المنتجات. واستحوذت منصات توزيع التأمين الرقمية الأولى على حصة سوقية مُقدَّرة في قطاعَي تأمين السيارات والصحة.
وغدت تأميني، منصة مقارنة الأسعار والتوزيع الرقمي لمنتجات التأمين، رائدةً في مبيعات التأمين عبر الإنترنت، معالجةً ملايين عروض أسعار الوثائق سنوياً. وظهرت منصات مماثلة في قطاعات التأمين على السفر والممتلكات والصحة.
وتُديمقراطية منصات تقنية إدارة الثروات (WealthTech) الوصولَ إلى الاستثمار، مُعيدةً تشكيل صناعة إدارة الأصول. وتقدم خدمات الاستشارة الآلية، المرخَّصة من مختبر التقنية المالية لهيئة السوق المالية، إدارة محافظ مدفوعة بالخوارزميات بحدود استثمار أدنى مقارنةً بخدمات إدارة الثروات التقليدية. وتُقدّم منصات كـWahed Invest وغيرها محافظ استثمارية متوافقة مع الشريعة متاحة عبر التطبيقات الجوالة.
رأس المال الجريء والنظام البيئي للشركات الناشئة
استقطبت التقنية المالية الحصة الأكبر من استثمارات رأس المال الجريء في النظام البيئي للشركات الناشئة السعودية. وتجاوز التمويل السنوي للتقنية المالية 4 مليارات ريال عام 2025، بجولات مراحل نضج من STV وسنابل للاستثمار وشركات رأس مال جريء دولية. وعزّزت الجولات الكبرى لشركات كتمارة وتابي وFoodics موقع عدة شركات سعودية للتقنية المالية بوصفها مرشحات للوصول إلى تقييم المليار دولار.
ونضجت البنية التحتية الداعمة للشركات الناشئة بصورة ملحوظة. وتُقدّم تقنية مالية السعودية، وهي مبادرة مشتركة بين ساما وهيئة السوق المالية، تنسيقاً للنظام البيئي وإرشاداً وتواصلاً دولياً لشركات التقنية المالية الناشئة. وتوسّعت برامج التسريع التي تديرها Flat6Labs وPlug and Play وبرامج قطاعية متخصصة في خط أنابيب شركات التقنية المالية في مرحلة البداية.
وازداد إنشاء شركات التقنية المالية الدولية عمليات لها في المملكة، مدفوعةً بفرصة السوق ووضوح التنظيم والدعم الحكومي. وقد دخلت شركات من أوروبا وجنوب شرق آسيا والولايات المتحدة عبر مسارَي الصندوق التنظيمي أو الترخيص المباشر.
البنية التحتية والمُمكِّنات
استثمرت المدفوعات السعودية استثماراً كثيفاً في البنية التحتية الوطنية للمدفوعات. إذ تتولى منظومة SARIE للتسوية الإجمالية الفورية معالجة المعاملات بين البنوك ذات القيمة العالية، فيما تُتيح خدمة السداد الفوري (IPS) تحويلات فورية من نظير إلى نظير ومن العملاء إلى التجار. وتُمهّد هذه الاستثمارات في البنية التحتية الساكةَ التي يعمل عليها الابتكار في التقنية المالية.
تُتيح البنية التحتية للهوية الرقمية، بما تشمله من نظام الهوية الرقمية الوطنية ومنصة أبشر، عمليات التعرّف الإلكتروني على العميل (e-KYC) التي تُقلّص احتكاك عملية الإعداد لخدمات التقنية المالية. وتُجيز مبادئ ساما التوجيهية للتعرّف الإلكتروني على العميل التحقق عن بُعد من هوية العملاء باستخدام التحقق البيومتري والتحقق من قاعدة البيانات الحكومية.
وأرست هيئة البيانات والذكاء الاصطناعي السعودية (سدايا) أطر حوكمة البيانات التي تُتيح الابتكار في التقنية المالية مع حماية خصوصية المستهلك. ويوفر نظام حماية البيانات الشخصية أساساً قانونياً لمعالجة البيانات وإدارة الموافقة وعابر الحدود للبيانات الذي يتعيّن على شركات التقنية المالية التعامل معه.
التحديات والاعتبارات
يبقى استقطاب الكفاءات تحدياً كبيراً. إذ يتنافس قطاع التقنية المالية مع البنوك وشركات التكنولوجيا والكيانات الحكومية على مجموعة محدودة من المتخصصين الذين يجمعون الخبرة في الخدمات المالية والتكنولوجيا. وتُضاف اشتراطات السعودة تعقيداً إضافياً، إذ يجب على شركات التقنية المالية الوفاء بحصص التوطين مع الوصول إلى مهارات تقنية متخصصة.
وتتصاعد مخاطر الأمن السيبراني مع تزايد ترابط النظام البيئي للخدمات المالية. ويُوجد تكاثر واجهات API وعمليات التكامل مع الطرف الثالث وقنوات المدفوعات الرقمية أسطحَ هجوم تتطلب مراقبةً مستمرة ودفاعاً دائماً. ويوفر إطار الأمن السيبراني لساما متطلبات أساسية، غير أن عبء التطبيق يقع بصورة غير متناسبة على شركات التقنية المالية الأصغر.
وتستمر أطر حماية المستهلك في التطور. ومع تعقيد منتجات التقنية المالية وتوسيع نطاق وصولها لشرائح أوسع من العملاء، يُصبح ضمان الإفصاح الكافي والمعاملة العادلة وآليات تسوية النزاعات الفعّالة أمراً بالغ الأهمية.
التوقعات
يتمتع قطاع التقنية المالية السعودية بوضع جيد لمواصلة نموه السريع حتى عام 2030 وما بعده. إذ تُهيئ مجموعة التنظيم الداعم والبنية التحتية القوية للمدفوعات وتوافر رأس المال الجريء والسكان الرقميين الأصيلين ظروفاً استثنائية للابتكار.
وسيقود تقارب التقنية المالية مع التقنيات الناشئة، بما تشمله من الذكاء الاصطناعي والبلوكتشين والقياسات الحيوية، الموجةَ التالية من الابتكار. ويُمثّل التمويل المدمج، حيث تتكامل الخدمات المالية بسلاسة في منصات غير مالية، فرصة نمو بالغة الأهمية.
ويُقدّم نهج ساما التنظيمي المتوازن الذي يُشجّع الابتكار مع الحفاظ على الاستقرار المالي وحماية المستهلك نموذجاً لولايات قضائية أخرى. وقد تطوّر النظام البيئي للتقنية المالية في المملكة من تجربة ناشئة إلى ركيزة استراتيجية في تحوّل القطاع المالي.