يُعدّ القطاع المصرفي في المملكة العربية السعودية من أعلى القطاعات رسملةً وربحيةً في الأسواق الناشئة. ويتألف هذا القطاع من اثني عشر بنكاً تجارياً محلياً يخضع لإشراف SAMA (ساما)، ويُمثّل رافداً استراتيجياً لأجندة التنويع الاقتصادي التي تقودها رؤية 2030، إذ يُوجّه الائتمان نحو الإسكان والمنشآت الصغيرة والمتوسطة والبنية التحتية وقطاع خاص في طور النمو.
هيكل القطاع وكبار اللاعبين
يهيمن على المشهد المصرفي السعودي مؤسستان تمسكان معاً بنحو أربعين بالمئة من إجمالي أصول المنظومة. يتصدّر البنك الأهلي السعودي (SNB) المشهد، وقد نشأ عام 2021 من اندماج البنك الأهلي التجاري وبنك سامبا المالي، ليعمل بوصفه أكبر مُقرِض في المملكة بأصول تجاوزت 940 مليار ريال. ويأتي بعده مصرف الراجحي، أكبر بنك إسلامي في العالم من حيث القيمة السوقية، مستنداً إلى شبكته التجزئة الواسعة وباقته المتكاملة من المنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.
إلى جانب هذين الكيانين، يضم القطاع مصارف بارزة كبنك الرياض والبنك السعودي البريطاني (SABB) وبنك البلاد وبنك الجزيرة. وتخدم هذه البنوك شرائح مميزة، إذ يتمتع SABB بقدرات قوية في الخدمات المصرفية للشركات موروثة من ارتباطه بـHSBC، فيما يُعزّز بنك الجزيرة حصته المتنامية في سوق التجزئة الإسلامي.
تجاوزت أصول القطاع المصرفي إجمالاً 3.8 تريليون ريال بنهاية عام 2025، بمعدل نمو سنوي مركّب يبلغ نحو تسعة بالمئة منذ عام 2020، مدفوعاً بالإقراض العقاري وتمويل مشاريع الحكومة والطلب الائتماني المرتبط بإنشاءات المشاريع العملاقة.
كفاية رأس المال والمتانة الاحترازية
تحافظ البنوك السعودية على نسب كفاية رأس المال التي تفوق بمراحل حدود بازل الثالثة الدنيا. وبلغت نسبة رأس المال الأساسي من الشريحة الأولى (CET1) على مستوى المنظومة نحو 16.2 بالمئة بنهاية عام 2025، مقارنةً بالحد التنظيمي الأدنى البالغ 8.0 بالمئة مع الاحتياطيات المطبّقة. ويعكس هذا الوسادة الرأسمالية الضخمة توجّهاً محافظاً في إدارة المخاطر وأرباحاً مُحتجزة متينة وعمليات زيادة دورية لرأس المال.
وائمت ساما تنظيماتها المحلية تدريجياً مع إطارَي بازل الثالث والرابع، مُدخِلةً متطلبات محسَّنة لنسبة تغطية السيولة (LCR) ومعايير نسبة صافي التمويل المستقر (NSFR) واحتياطيات رأس المال المضادة للدورات الاقتصادية. وأفادت البنوك السعودية باستمرار بنسب تغطية سيولة تتجاوز 140 بالمئة، متخطيةً الحد التنظيمي البالغ 100 بالمئة.
تبقى نسب القروض غير المنتظمة في مقدمة الأدنى عالمياً بين دول مجموعة العشرين. وتحوّمت نسبة القروض غير المنتظمة على مستوى القطاع حول 1.6 بالمئة طوال عام 2025، مدعومةً بمعايير اكتتاب ائتماني صارمة ومتطلبات تقديم ضمانات وبيئة اقتصادية مواتية. وتتجاوز نسب التغطية عادةً 150 بالمئة مما يوفر مخصصات وافرة في مواجهة أي تدهور ائتماني محتمل.
نمو الائتمان والتخصيص القطاعي
مثّل نمو ائتمان القطاع المصرفي سمةً بارزة في حقبة رؤية 2030. فقد توسّع إجمالي الائتمان للقطاع الخاص بمعدل سنوي مركّب يبلغ نحو 14 بالمئة بين عامَي 2020 و2025، مدفوعاً بالإقراض العقاري في معظمه. وقد أشعل برنامج دعم صندوق التنمية العقارية (REDF) الدافع للنمو في سوق الرهن العقاري وتخفيف ساما لنسب القيمة إلى القرض طفرةً عقارية، فنمت القروض السكنية من 175 مليار ريال عام 2019 إلى ما يزيد على 700 مليار ريال بنهاية عام 2025.
وتوسّع الائتمان المؤسسي كذلك مدفوعاً بتمويل إنشاءات المشاريع العملاقة ومبادرات الإقراض للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في إطار برنامج ضمان كفالة وتمويل مشاريع البنية التحتية. وشاركت البنوك بصورة متزايدة في التسهيلات المشتركة لمشاريع من بينها NEOM والبحر الأحمر وQiddiya وDiriyah، مُضخِّةً قدراتها الميزانية جنباً إلى جنب مع المُقرضين الدوليين ومؤسسات التمويل الإنمائي.
ارتفع الإقراض للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وهو أولوية استراتيجية ضمن أجندة تطوير القطاع الخاص في رؤية 2030، من نحو ستة بالمئة إلى ما يزيد على عشرة بالمئة من إجمالي الإقراض المصرفي. ونفّذت ساما ومنشآت برامج ضمان وإجراءات توثيق مُبسَّطة وأطر تصنيف ائتماني لتيسير حصول المنشآت الصغيرة والمتوسطة على التمويل المصرفي.
التحول المصرفي الرقمي
يشهد القطاع المصرفي السعودي تحولاً رقمياً شاملاً يضعه في مصاف الأكثر تقدماً تكنولوجياً في منطقة الشرق الأوسط. فقد أطلقت جميع البنوك الكبرى تطبيقات مصرفية محمولة متطورة، فاقت حجم المعاملات الرقمية فيها 90 بالمئة من إجمالي المعاملات المصرفية للأفراد بحلول عام 2025.
أفرز إصدار SAMA تراخيص المصارف الرقمية منافسة جديدة. فقد حصلت stc Bank (المعروف سابقاً بـstc Pay) وD360 Bank على تراخيص مصرفية رقمية كاملة، متشغّلَين دون شبكات فروع مادية ومستهدِفَين شرائح العملاء الرقمية الأصيلة. وانتهج بنك السعودي الرقمي (SDB) منهجاً مماثلاً موجّهاً نحو الخدمات المصرفية الرقمية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
أتاح نظام الخدمات المصرفية المفتوحة الذي أطلقته ساما إمكانات جديدة لمشاركة البيانات والابتكار في المنتجات ودمج التقنية المالية. ويتعيّن على البنوك توفير واجهات برمجية (APIs) موحّدة تُمكّن مزوّدي الخدمات الطرف الثالث المرخَّصين من الوصول إلى بيانات العملاء بموافقتهم، مما يُعزّز التنافس والابتكار في الخدمات.
تسارعت وتيرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في مختلف أنحاء القطاع. وتستعين البنوك بهاتين التقنيتين في التصنيف الائتماني وكشف الاحتيال وأتمتة خدمة العملاء والتوصيات الشخصية للمنتجات. ويجسّد استثمار البنك الأهلي السعودي في منصات التحليلات المتقدمة ونشر مصرف الراجحي للذكاء الاصطناعي التحادثي في خدمة العملاء الطموح التكنولوجي للقطاع.
الربحية وعوائد المساهمين
حقّقت البنوك السعودية مقاييس ربحية استثنائية. وبلغ متوسط العائد على حقوق الملكية (ROE) على مستوى القطاع نحو 16 بالمئة طوال عامَي 2024 و2025، مدفوعاً بهوامش صافية ملائمة لأسعار الفائدة وإيرادات رسوم متنامية وانضباط في إدارة التكاليف. واستفادت هوامش صافي الفائدة من البيئة المرتفعة لأسعار الفائدة، وإن كان التضيّق متوقعاً مع تطبيع الأسعار.
حافظت نسب توزيع الأرباح على سخائها، إذ تتراوح عادةً بين 50 و70 بالمئة من صافي الدخل. وأضافت عدة بنوك توزيعات استثنائية إلى أرباحها العادية انعكاساً لفائض توليد رأس المال وتحسين العوائد للمساهمين. ويحتل مصرف الراجحي والبنك الأهلي السعودي باستمرار مرتبةً متقدمة في مؤشر عائد الأسهم المصرفية على تداول.
البيئة التنظيمية ودور ساما
رسّخت ساما مكانتها جهةً تنظيمية متطوّرة ومستشرفة للمستقبل توازن بين الاستقرار المالي وتعزيز الابتكار. وتشمل أبرز المستجدات التنظيمية تطبيق إصلاحات بازل 3.1 وإطلاق صندوق تنظيمي متكامل للتقنية المالية وإنشاء برنامج متخصص في التقنيات الإشرافية (SupTech).
كما طبّق البنك المركزي أدوات احترازية كلية تشمل حدود نسبة الدين إلى الدخل لإقراض الرهن العقاري واحتياطيات رأس المال المضادة للدورات الاقتصادية ومتطلبات اختبارات الضغط المعزّزة، بهدف ضمان ألّا يُضرّ نمو الائتمان المتسارع بالاستقرار المالي.
كما جرى تعزيز أطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بشكل ملحوظ، إذ نالت المملكة العربية السعودية تقييماً متوافقاً إلى حدٍّ بعيد من مجموعة العمل المالي (FATF). واستثمرت البنوك استثماراً كثيفاً في أنظمة مراقبة المعاملات وعمليات العناية الواجبة بالعملاء وقدرات فحص العقوبات.
التحديات وعوامل المخاطر
على الرغم من متانته، يواجه القطاع تحديات عدة. فمخاطر التركّز ترتفع مع تزايد نسبة الإقراض العقاري من إجمالي الأصول. وقد يُلقي أي تدهور جوهري في سوق العقار السكني بتبعاته على جودة الأصول، وإن كانت نسب القيمة إلى القرض ومعدلات تغطية دخل المقترضين توفّران مخازن وقائية ذات دلالة.
استدعت إدارة السيولة انتباهاً جدياً في فترات تجاوز فيها نمو الائتمان نمو الودائع. ولجأت البنوك بصورة متصاعدة إلى أسواق التمويل بالجملة بما فيها إصدارات السندات الدولية وبرامج أذون متوسطة الأجل لتعزيز ودائعها التمويلية. وقدّمت ساما تسهيلات سيولة داعمة تشمل عمليات إعادة الشراء الآجل والتسهيلات الإقراضية الدائمة.
يطرح الانتقال إلى بيئة أسعار فائدة أدنى مخاطر ضغط على الهوامش. فالبنوك التي تحمل نسباً أعلى من أصول الرهن العقاري ذات السعر الثابت قد تعاني ضغطاً على هامش صافي الفائدة مع تكيّف تكاليف التمويل بوتيرة أبطأ من عوائد الأصول. وتُجنَّد استراتيجيات التحوط وإعادة هيكلة الميزانية العمومية لإدارة هذه المرحلة.
مستقبل القطاع حتى عام 2030
يتموضع القطاع المصرفي السعودي جيداً لدعم المرحلة التنفيذية المتبقية من رؤية 2030. ومن المتوقع أن يبقى الطلب على الائتمان متيناً، مدفوعاً باستمرار إصدار الرهون العقارية وتمويل إنشاءات المشاريع العملاقة ونمو الإقراض للمنشآت الصغيرة والمتوسطة. وتستهدف التوقعات بلوغ أصول القطاع المصرفي 5.5 تريليون ريال بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركّب يبلغ نحو ثمانية بالمئة من مستويات عام 2025.
سيواصل المصرف الرقمي إعادة رسم المشهد التنافسي. فدخول البنوك الرقمية الصرفة وتوسّع خدمات المصرفية المفتوحة ونشر حلول التمويل المدمج ستقود الابتكار مع الضغط المحتمل على الهوامش في الشرائح المُتسلّعة. وستستحوذ البنوك التي تُوظّف التكنولوجيا بنجاح في استقطاب العملاء وإدارة المخاطر والكفاءة التشغيلية على حصة غير متناسبة من القيمة.
يبقى التوطّد خياراً وارداً لا سيما بين البنوك متوسطة الحجم الساعية إلى الحجم للمنافسة مع الكبار وتحمّل متطلبات الاستثمار في التكنولوجيا. وقد أبدت ساما استعداداً لتيسير الاندماجات كما أثبتت تجربة اندماج البنك الأهلي مع سامبا، ولا يمكن استبعاد صفقات إضافية.
أما التوسع الدولي فيمثّل ناقلاً نمواً إضافياً، إذ تنشط البنوك السعودية بصورة متزايدة في الإقراض العابر للحدود وتمويل التجارة والخدمات المصرفية الاستثمارية، مستثمِرةً في النفوذ الاقتصادي المتنامي للمملكة وأسواق رأس مالها العميقة. وتتيح المتانة الرأسمالية للقطاع وربحيته منصةً للتنويع الجغرافي الانتقائي.
بالنسبة للمستثمرين والمراقبين الاستراتيجيين، يُشكّل المصرف السعودي تقاطعاً مقنعاً بين ديناميكيات نمو الأسواق الناشئة والمعايير الاحترازية في الأسواق المتقدمة. ويضمن دور القطاع بوصفه آليةً لنقل التحول الاقتصادي في رؤية 2030 مكانته المحورية المستمرة في مسيرة التنمية.