مركز رفع التنافسية الوطنية السعودي (NCC)
مركز رفع التنافسية الوطنية السعودي (NCC) هو المحرِّك المؤسسي لإصلاحات التنظيم وبيئة الأعمال التي تُشكِّل الدعائم الاقتصادية لرؤية 2030. أُسِّس المركز تحت مظلة مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية ويرفع تقاريره مباشرةً إلى مكتب ولي العهد، وهو يضطلع بمهمة تبدو بسيطة في صياغتها لكنها بالغة التحدي في تنفيذها: جعل المملكة العربية السعودية من أكثر اقتصادات العالم تنافسية وملاءمةً لبيئة الأعمال.
منذ تأسيسه، قاد المركز تطبيق أكثر من 900 إصلاح تنظيمي عبر الجهات الحكومية، وهو معدّل وزخم إصلاحي استثنائيان بالمقاييس الدولية. أسفرت هذه الإصلاحات عن تحسينات قابلة للقياس في سرعة وتكلفة وقدرة التنبؤ في مزاولة الأعمال في المملكة، ابتداءً من الوقت اللازم لتسجيل شركة والإجراءات المطلوبة للحصول على تصاريح البناء وصولاً إلى كفاءة التخليص الجمركي وقابلية تطبيق العقود التجارية.
يُعدّ الموقع المؤسسي للمركز عاملاً رئيسياً في فاعليته؛ إذ بفضل رفع تقاريره إلى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية لا إلى وزارة قطاعية، يتمتع المركز بصلاحية صليبية عبر الحكومة تُمكِّنه من استيجاب إجراء تغييرات تنظيمية عبر جهات كانت ستُقاوم الإصلاح في غير ذلك. تمنح هذه الميزة الهيكلية، مقترنةً بالدعم السياسي من مكتب ولي العهد، المركزَ تفويضاً للإصلاح لا تحظى به سوى قِلّة من الهيئات المماثلة في سائر الدول.
منهجية الإصلاح
يجمع نهج المركز في الإصلاح التنظيمي بين المعيارة الدولية والتشاور مع أصحاب المصلحة وقياس الأداء المبني على البيانات في منهجية منهجية أضحت أكثر تطوراً منذ تأسيس المركز.
المعيارة الدولية
يُجري المركز بصورة منهجية مقارنة بين الأداء التنظيمي للمملكة العربية السعودية وأداء الاقتصادات الرائدة، محدِّداً إجراءات ومتطلبات وجداول زمنية بعينها تتخلف فيها المملكة عن أفضل الممارسات الدولية. وكان تصنيف البنك الدولي لسهولة ممارسة الأعمال السابق يُمثِّل إطاراً محورياً للمعيارة، وقد صِيغ برنامج الإصلاح في المركز بحيث يُعالج صراحةً المؤشرات التي يقيسها ذلك التقييم. وقد عكست القفزة الدرامية للمملكة في ترتيبها من المرتبة 94 إلى 62 قبل أن يُوقف هذا المؤشر طبيعةَ الجهد الإصلاحي المستهدف.
مع إيقاف مؤشر سهولة ممارسة الأعمال، وسَّع المركز معيارته لتشمل مجموعة أشمل من تقييمات التنافسية الدولية، من بينها مؤشر التنافسية العالمي للمنتدى الاقتصادي العالمي وكتاب التنافسية العالمية لمعهد IMD. كما يُجري المركز تمارين معيارة مخصصة تُقارن إجراءات تنظيمية سعودية بعينها بنظيراتها في وجهات الاستثمار المنافِسة كالإمارات وسنغافورة ونيوزيلندا.
تقييم الأثر التنظيمي
استحدث المركز تقييم الأثر التنظيمي (RIA) بوصفه تخصصاً داخل الحكومة السعودية، مشترطاً تقييم الأثر المحتمل للأنظمة الجديدة على النشاط التجاري وتكاليف الامتثال والتنافسية الاقتصادية قبل إصدارها. يُكمِّل هذا النهج الوقائي العملَ التصحيحي للمركز على الأنظمة القائمة ويهدف إلى الحيلولة دون تراكم أعباء تنظيمية جديدة تُجهض مكاسب الإصلاحات السابقة.
أبرز الإنجازات الإصلاحية
تمتد محفظة الإصلاح في المركز لتشمل كل أبعاد بيئة الأعمال تقريباً، مع إنجازات بارزة في عدة مجالات.
تسجيل الأعمال والترخيص
خُفِّض الوقت والإجراءات اللازمة لبدء نشاط تجاري في المملكة العربية السعودية خفضاً جذرياً؛ إذ يُمكِّن نظام وزارة التجارة الإلكتروني لتسجيل الأعمال، الذي طُوِّر بتنسيق مع المركز، من تأسيس الشركات في غضون ساعات لا أيام أو أسابيع كما كان مطلوباً من قبل. وقُلِّصت متطلبات الترخيص عبر القطاعات بأكثر من 50 بالمئة، مما خفّض العبء الإداري على الشركات وعبء متابعة الامتثال على الجهات الحكومية.
يمتد الإصلاح إلى ما هو أبعد من مجرد أعداد الإجراءات ليطال جودة التفاعل التنظيمي؛ إذ روَّج المركز لتبني مقاربات تنظيمية قائمة على المخاطرة تُعايِر شدة الرقابة الحكومية مع ملف مخاطرة النشاط، مما يُخفِّف التنظيم غير الضروري على الأنشطة المنخفضة المخاطرة مع الإبقاء على ضوابط مناسبة للقطاعات مرتفعة المخاطرة.
تخليص الحاويات وتيسير التجارة
قاد المركز إصلاحات خفّضت أوقات تخليص الحاويات في الموانئ السعودية إلى نحو 24 ساعة، وهو تحسُّن جذري قياساً بالمعالجة التي كانت تستغرق عدة أيام في السابق. استلزم هذا الإنجاز إصلاحات منسقة عبر الجمارك وعمليات الموانئ وسلامة الغذاء والامتثال للمعايير وجهات متعددة أخرى كانت تستلزم موافقاتها تاريخياً قبل الإفراج عن البضائع.
للإصلاحات في تيسير التجارة تداعيات مباشرة على تنافسية المملكة مركزاً للخدمات اللوجستية والتصنيع؛ فالقدرة على تخليص الواردات والصادرات بكفاءة شرط مُسبق للمشاركة في سلاسل التوريد العالمية، وتحسينات تخليص الحاويات تُعزِّز مكانة الموانئ السعودية تنافسياً أمام المنافسين الإقليميين.
تصاريح البناء
جرى إصلاح جوهري في إجراءات الحصول على تصاريح البناء وجداولها الزمنية، وهو تغيير ذو أهمية بالغة نظراً لحجم أنشطة البناء المرتبطة بمشاريع رؤية 2030 العملاقة وبرنامج التطوير العقاري الأوسع. تُبسِّط الإصلاحات التفاعل بين المطوِّرين والجهات البلدية والمرافق والسلامة المتعددة التي تستلزم موافقاتها لإجازة أنشطة البناء.
المعاملات العقارية
أُصلحت إجراءات تسجيل العقارات ونقل ملكيتها لإنجاز المعاملات في أقل من ساعة، خلفاً لعملية كانت تستغرق أياماً عديدة وتستوجب زيارات مراجعة لجهات حكومية متعددة. وتضافرت رقمنة أنظمة سجل الأراضي وتكامل الوظائف البلدية والتوثيقية وتبسيط متطلبات التوثيق لتحوِّل مجتمعةً تجربة المعاملات العقارية تحويلاً جذرياً.
الإعسار وتنفيذ العقود
أسهم المركز في دعم إصلاحات المحاكم التجارية والإطار القانوني للإعسار بما يُحسِّن قابلية تنفيذ العقود وكفاءة تسوية المنازعات. أسهم إنشاء المحكمة التجارية وتعيين قضاة متخصصين في التنفيذ وتبسيط إجراءات إدارة القضايا في معالجة مخاوف كانت تاريخياً تُثنّي المستثمرين الأجانب الذين اعتبروا النظام القانوني السعودي غير قابل للتنبؤ في النزاعات التجارية.
البُعد الرقمي
أُسنِدت كثير من إصلاحات المركز بالرقمنة، ويعمل المركز عن كثب مع هيئة الحكومة الرقمية للاستفادة من التقنية في تبسيط العمليات التنظيمية. يُلغي انتقال الخدمات الحكومية إلى المنصات الرقمية التفاعلات الشخصية والتوثيق الورقي والمعالجة اليدوية التي أوجدت تأخيراً وعدم يقين في البيئة التنظيمية السابقة.
تتتبّع قاعدة بيانات الإصلاح في المركز وضع تنفيذ الإصلاحات عبر الجهات الحكومية، مُوفِّرةً نظام معلومات إدارية يُمكِّن المركز من تحديد ثغرات التنفيذ ومحاسبة الجهات على التغييرات الملتزم بها. هذه القدرة الرقابية ضرورية لضمان ترجمة الإصلاحات المُعلنة إلى تحسينات فعلية في تجربة الأعمال.
إشراك القطاع الخاص
يتفاعل المركز مع القطاع الخاص عبر آليات تشاور منظَّمة واستبيانات وقنوات تغذية راجعة مباشرة تُعلم أجندة الإصلاح. تُساعد مدخلات مجتمع الأعمال على تحديد نقاط الإيلام التنظيمي الأكثر تأثيراً في قرارات الاستثمار والكفاءة التشغيلية، مما يضمن توجيه جهود الإصلاح نحو القضايا الأكثر أهميةً لمجتمع الأعمال.
يعمل المركز أيضاً مع الاتحادات التجارية المتخصصة بالقطاعات وغرف التجارة لتحديد التحديات التنظيمية الخاصة بكل صناعة والتي تستلزم حلولاً مصمَّمة خصيصاً. يُكمِّل هذا الانخراط القطاعي المتخصص الإصلاحاتِ الأفقية الشاملة ويضمن أن يُعالج برنامج الإصلاح الاحتياجات المتنوعة للمشهد الاقتصادي المتنامي التنوع في المملكة.
الاعتراف الدولي
حظيت إنجازات الإصلاح في المركز باعتراف منظمات دولية متعددة؛ إذ وفّرت تحسينات سهولة ممارسة الأعمال في البنك الدولي والتقييمات الإيجابية لصندوق النقد الدولي لبرنامج الإصلاح التنظيمي وعدد من مؤشرات التنافسية الدولية تحققاً خارجياً من مسار الإصلاح. هذا الاعتراف الدولي لا يهم سمعة المملكة وجهةً للاستثمار وحسب، بل يُعزِّز أيضاً الدعم السياسي الداخلي لبرنامج إصلاح يتحدى أحياناً مصالح بيروقراطية راسخة.
التحديات والاستدامة
يواجه المركز تحديات عدة في الحفاظ على برنامج الإصلاح وتعميقه. أبرزها مخاطرة الإرهاق الإصلاحي، سواء لدى الجهات الحكومية الملزمة بتطبيق التغييرات أو لدى القيادة السياسية المطالبة بمواصلة إعطاء الإصلاح التنظيمي الأولوية في مواجهة مطالب متنافسة على الاهتمام والموارد.
تحدٍّ مرتبط بذلك هو ضمان ترجمة الإصلاحات المُعلنة إلى تجارب محسَّنة باستمرار للشركات على أرض الواقع؛ إذ قد تكون الفجوة بين التغييرات التنظيمية الرسمية والتطبيق الفعلي واسعة، لا سيما في جهاز حكومي كبير ومتفرق جغرافياً قد لا يُطبِّق فيه الموظفون الأفراد الإجراءات المُصلحة تطبيقاً كاملاً ومتسقاً.
التوقعات
تنصبّ أجندة المركز في ما تبقى من فترة رؤية 2030 على تعميق الإصلاحات القائمة وامتداد برنامج الإصلاح نحو مجالات تنظيمية جديدة وبناء القدرات المؤسسية داخل الجهات الحكومية لاستدامة مسيرة الإصلاح دون توجيه مركزي متواصل. ويطمح المركز إلى إرساء ثقافة ذاتية الاستدامة للتميز التنظيمي تتخطى الدفعة الإصلاحية الأولى وترسِّخ التفكير التنافسي في صميم المؤسسات الحكومية السعودية.
بالنسبة للمستثمرين والشركات العاملة في المملكة العربية السعودية، يُمثِّل برنامج إصلاح المركز أحد أملس التحسينات في بيئة التشغيل. إن وتيرة الإصلاح ونطاقه منذ 2016 كانا مثيرَين للإعجاب فعلاً، وأجندة الإصلاح المتبقية، إن نُفِّذت بالعزيمة ذاتها، من شأنها أن تُقرِّب المملكة العربية السعودية أكثر من أكثر بيئات الأعمال تنافسية في العالم.