جيوسياسية الطاقة النووية: طموحات التوليد ونقاش التخصيب
يتقاطع طموح المملكة العربية السعودية في تطوير طاقة توليد الكهرباء النووية المدني مع بعض أكثر الديناميكيات حساسيةً في منظومة الأمن الدولي. أعلنت المملكة عن خطط لبناء أسطول من المفاعلات النووية القادرة على توليد ما يصل إلى سبعة عشر غيغاواطاً من الكهرباء، وهو ما سيُمثّل إضافة تحويلية لبنيتها التحتية لتوليد الكهرباء ويدعم أهداف التنويع في الطاقة المتجددة ويُحقق تقليصاً بشكل ملموس في الاستهلاك المحلي من النفط والغاز لتوليد الكهرباء الذي يستهلك حالياً ما يعادل نحو مليون برميل يومياً من النفط.
المبرر الاستراتيجي للطاقة النووية مقنع من المنظور السعودي. فالطلب المحلي على الكهرباء في تنامٍ متسارع مدفوعاً بالنمو السكاني والتحضر والتطوير الصناعي والمتطلبات الضخمة للبنية التحتية لرؤية 2030. ولقاء هذا الطلب بالهيدروكربونات يُحوّل النفط عن أسواق التصدير، مُقلّصاً مباشرةً الإيرادات التي تموّل الميزانية الوطنية وبرنامج التحول. وتُقدّم الطاقة النووية توليداً للكهرباء الأساسي على نطاق واسع بانبعاثات كربونية ضئيلة، متوافقةً مع الكفاءة الاقتصادية والالتزامات المناخية.
غير أن المسألة النووية لا تنفصل عن الديناميكيات الجيوسياسية للانتشار والأمن الإقليمي. فإصرار المملكة على الاحتفاظ بحق تخصيب اليورانيوم محلياً — بدلاً من قبول ما يُعرف بالمعيار الذهبي لاتفاقيات التعاون النووي الذي يستلزم الإمداد بالوقود خارجياً — أربك المفاوضات مع الولايات المتحدة وأثار مخاوف محللي عدم الانتشار وصانعيه.
يُلقي السياق النووي الإيراني بظلاله على كل جوانب الطموحات النووية السعودية. فالبرنامج النووي الإيراني المتقدم الذي بلغ مستويات تخصيب قريبة من درجة الأسلحة أنشأ بيئة استراتيجية تُقيَّم فيها الخيارات النووية السعودية ليس على مزاياها الطاقوية وحسب بل عبر عدسة الديناميكيات الانتشارية المحتملة. وقد رفع تصريح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بأن المملكة ستطوّر أسلحة نووية إن فعلت إيران ذلك، مستوى المسألة النووية من سياسة طاقوية إلى بنية أمنية إقليمية.
الديناميكيات الراهنة
تعاملت المملكة مع شركاء محتملين متعددين لبرنامجها النووي، بما فيهم الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وفرنسا وروسيا والصين، مُنشئةً ديناميكية تنافسية تمنحها نفوذاً على شروط التعاون النووي مع توليد مخاوف حول الانعكاسات الاستراتيجية لخيارات الشراكة المختلفة.
الإطار الأمريكي للتعاون النووي كان الأكثر تعقيداً سياسياً. فقانون الولايات المتحدة يشترط أن تتضمن اتفاقيات التعاون النووي، المعروفة باتفاقيات 123، التزامات بعدم الانتشار من الدولة المتلقية. ويستلزم قالب المعيار الذهبي، المُرسى في اتفاق التعاون النووي الأمريكي الإماراتي عام 2009، من المتلقي التنازل عن التخصيب المحلي وإعادة المعالجة مقابل ضمان إمداد بالوقود من مصادر دولية. وقاومت المملكة قبول هذه الشروط، محتجّةً بأن حقوق التخصيب السيادية مسألة استقلالية وطنية.
برزت كوريا الجنوبية مرشحةً رائدة لعقد توريد المفاعلات. فالتكنولوجيا النووية الكورية، ولا سيما تصميم المفاعل APR1400 المُشغَّل بنجاح محلياً وفي الإمارات، تُقدّم أداءً مُثبَتاً وأسعاراً تنافسية وسجلاً في البناء أثبتته الشركات الكورية في محطة براكة النووية. والاستعداد الكوري للتفاوض على شروط تعاون مرنة، ربما دون قيود المعيار الذهبي التي يستلزمها القانون الأمريكي، يُعزّز تنافسيتها.
الخبرة النووية الفرنسية، مُمثَّلةً في EDF وFramatome، تُقدّم خياراً آخر يحمل ثقلاً دبلوماسياً بالغاً. فوضع فرنسا دولةً نووية ذات أسلحة مع أطر تعاون نووي راسخة مع دول العالم النامي يُوفّر للمملكة قالب شراكة يمكن أن يستوعب أنشطة التخصيب في إطار الضمانات الدولية.
تُضيف المناشدات النووية الروسية والصينية تعقيداً إضافياً. فتكنولوجيا مفاعل VVER التابعة لروساتوم وتصميم Hualong One الصيني خياران موثوقان يحملان شروطاً أخف وطأةً في عدم الانتشار من البدائل الأمريكية أو الكورية. غير أن الشراكات النووية مع روسيا أو الصين ستُولّد قلقاً بالغاً في واشنطن وقد تُعقّد العلاقة السعودية الأمريكية الأشمل، بما فيها آفاق التوصل إلى اتفاق أمني شامل.
تبقى مسألة التخصيب القضية الجيوسياسية المحورية. فموقف المملكة بأنها ينبغي أن تحتفظ بحقوق التخصيب يعكس اعتبارات متعددة: الكبرياء السيادي والتحوط الاستراتيجي في مواجهة إيران مسلحة نووياً والمصلحة التجارية في دورة الوقود النووي والنفوذ التفاوضي في النقاشات الأشمل حول الضمانات الأمنية الأمريكية. والربط المحتمل بين حقوق التخصيب السعودية واتفاق التطبيع مع إسرائيل جعل المسألة النووية جزءاً من أكثر المفاوضات الدبلوماسية تعقيداً وحساسيةً في المنطقة.
يُوفّر إطار ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأساس التقني لإدارة التطوير النووي تحت الرقابة الدولية. وسيتعيّن ترقية البروتوكول الكمي المؤقت للمملكة مع الوكالة إلى اتفاق ضمانات شامل وبروتوكول إضافي مع تقدّم البرنامج النووي، مُوفّرةً للمجتمع الدولي آليات ضمان بشأن الطابع السلمي للبرنامج.
الانعكاسات على رؤية 2030
ستُوفّر الطاقة النووية مزايا جوهرية لرؤية 2030. فإحلال النفط والغاز من توليد الكهرباء سيزيد أحجام التصدير، مُولّداً إيرادات إضافية خلال مرحلة التحول الحرجة. وبأسعار النفط الراهنة، تُمثّل قيمة كل برميل يُحرَّر من الاستهلاك المحلي ويُعاد توجيهه نحو أسواق التصدير إسهاماً مالياً مباشراً في تمويل رؤية 2030.
سيُولّد بناء المنشآت النووية نشاطاً اقتصادياً واسعاً وفرصاً لنقل التكنولوجيا متوافقة مع أهداف التصنيع في رؤية 2030. فالبناء النووي يستلزم قدرات متقدمة في الهندسة والتصنيع وإدارة المشاريع ستبني القدرة التقنية للمملكة. والمرحلة التشغيلية طويلة الأجل ستُنشئ توظيفاً عالي المهارة في تشغيل المفاعلات والصيانة وإدارة الوقود.
غير أن التعقيدات الجيوسياسية للبرنامج النووي تُنشئ مخاطر لرؤية 2030. فإخفاق التوصل إلى اتفاق على شروط تعاون نووي مقبولة قد يُؤخّر البرنامج لسنوات، مُفوّتاً المكاسب الطاقوية والاقتصادية التي ستُوفرها الطاقة النووية. وفي المقابل، قرار المضيّ في قدرات التخصيب التي ينظر إليها المجتمع الدولي بقلق قد يُفضي إلى مخاطر عقوبات وتثبيط استثماري أو عزلة دبلوماسية ستُضرّ بصورة ملموسة بالبيئة التشغيلية لرؤية 2030.
ارتباط المسألة النووية بالعلاقة الأمنية الأمريكية السعودية الأشمل يجعلها متغيراً يؤثر في رؤية 2030 عبر أبعاد متعددة. فاتفاق شامل يحسم إطار التعاون النووي إلى جانب الضمانات الأمنية والتطبيع المحتمل مع إسرائيل سيكون إيجابياً للغاية لرؤية 2030. وانهيار المفاوضات تاركاً البرنامج النووي معلقاً سيُمثّل تكلفة فرصة جوهرية.
تقييم المخاطر
السيناريو الأول: الإطار المتفاوَض عليه (الاحتمالية: 35%) التوصل إلى اتفاق تعاون نووي مع الولايات المتحدة أو شريك رئيسي آخر يُوفّر تكنولوجيا المفاعل وخدمات الوقود بشروط مقبولة للطرفين. تُحسَم مسألة التخصيب بحلول توافقية، ويتقدم البرنامج في إطار ضمانات شاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية. هذا السيناريو إيجابي للغاية لرؤية 2030 مُحقّقاً مكاسب طاقوية واقتصادية ودبلوماسية.
السيناريو الثاني: مفاوضات متطوّلة (الاحتمالية: 40%) يبقى نقاش التخصيب دون حسم، ويتأخر البرنامج النووي بسبب المفاوضات المستمرة. تواصل المملكة انخراطها مع شركاء محتملين متعددين دون إبرام اتفاقيات. وتفوّت رؤية 2030 المكاسب الطاقوية للطاقة النووية خلال مرحلة تنفيذها الحرجة ويستمر استهلاك النفط محلياً لتوليد الكهرباء.
السيناريو الثالث: مخاوف الانتشار (الاحتمالية: 25%) تمضي المملكة في التطوير النووي خارج الأطر المفضّلة للشركاء الغربيين، مستحوذةً ربما على قدرات تخصيب تُثير قلقاً دولياً. سيُنشئ هذا السيناريو مخاطر جيوسياسية جوهرية لرؤية 2030، بما فيها انكشاف محتمل للعقوبات وتثبيط الاستثمار واحتكاك دبلوماسي مع شركاء رئيسيين.
المآل
ستبقى المسألة النووية واحدة من أكثر القضايا الجيوسياسية حساسيةً وأهميةً للمملكة العربية السعودية ورؤية 2030. ويُنشئ تقاطع سياسة الطاقة وعدم الانتشار والأمن الإقليمي والتنافس بين القوى الكبرى مصفوفة قرارات استثنائية التعقيد.
بالنسبة لرؤية 2030، النتيجة المثلى هي إطار تعاون نووي مُتفاوَض عليه يُوفّر المكاسب الطاقوية والاقتصادية للطاقة النووية مع الحفاظ على الشراكات الدولية وثقة المستثمرين الضروريَّين لبرنامج التحول. ويجب حسم مسألة التخصيب بطريقة تصون المخاوف السيادية السعودية مع توفير ضمانات كافية من عدم الانتشار تتجنب تحريك ردود فعل دولية سلبية.
تشمل مؤشرات المتابعة الرئيسية تقدم مفاوضات التعاون النووي مع الولايات المتحدة والشركاء البديلين ومسار البرنامج النووي الإيراني وانخراط الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع المملكة وتطور الحوار الأمني السعودي الأمريكي الأشمل. وارتباط المسألة النووية بنقاشات التطبيع والاتفاق الأمني يجعل التقدم الدبلوماسي في هذه الملفات المتشابكة المؤشر الأكثر دلالة.