وحدة مجلس التعاون الخليجي: التكامل والسوق المشتركة والأمن الجماعي
مجلس التعاون لدول الخليج العربي، المُؤسَّس عام 1981 رداً على الحرب العراقية الإيرانية، الإطار المؤسسي الرئيسي للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين الدول العربية الخليجية الست: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والبحرين وعُمان. بناتج محلي إجمالي مجمّع يتجاوز تريليوني دولار وأصول ثروة سيادية تتخطى أربعة تريليون دولار، يُمثّل المجلس أحد أثرى التكتلات الإقليمية في العالم وفاعلاً ذا ثقل في الطاقة والمال والتجارة عالمياً.
غير أن سجل التكامل في مجلس التعاون جاء دون طموحاته التأسيسية بكثير. فالاتحاد الجمركي المُطلَق رسمياً عام 2003 لا يزال غير مكتمل بعد أكثر من عقدين، مع عقبات دائمة أمام حرية حركة البضائع وتطبيق متفاوت للتعريفات الجمركية ونزاعات لم تُحسَم بعد حول توزيع الإيرادات الجمركية. والسوق المشتركة المُعلَنة عام 2008 حققت تقدماً محدوداً في حرية حركة العمل ورأس المال، مع استمرار اللوائح الوطنية في تجزئة ما ينبغي أن يكون فضاءً اقتصادياً متكاملاً. أما الاتحاد النقدي والعملة المشتركة المُستهدَف تطبيقهما بحلول عام 2010، فقد أُرجئا إلى أجل غير مسمى إثر انسحاب الإمارات من المشروع.
كشف الأزمة الدبلوماسية في مجلس التعاون 2017-2021، حين فرضت المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصاراً شاملاً على قطر، عن هشاشة وحدة المجلس وأثار تساؤلات جوهرية حول جدواه مُحرّكاً للتكامل. وبينما أنهت إعلان العُلا في يناير 2021 رسمياً الأزمة وأعادت العلاقات الدبلوماسية، لم تنتفِ التوترات الكامنة — بما فيها التنافس على الزعامة الإقليمية والتوجهات السياسية الخارجية المتباينة والتنافس الاقتصادي.
الديناميكيات الراهنة
أفرز التصالح اللاحق لإعلان العُلا أجواءً أكثر بنّاءة للتعاون في مجلس التعاون، لكن عمق التكامل يبقى متواضعاً قياساً بثقل التكتل الاقتصادي. وتضطلع المملكة العربية السعودية، بوصفها أكبر اقتصادات المجلس وإسهامها بنحو نصف إجمالي ناتجه المحلي، بدور المركز الجاذب في جهود التكامل الإقليمي. وتُنشئ برنامج رؤية 2030 بتركيزه على جذب الاستثمار الأجنبي وتطوير السياحة وبناء اقتصاد متنوع فرصاً وتوترات تنافسية في آنٍ واحد مع الدول المجاورة التي تنتهج استراتيجيات تنويع مماثلة.
أضحت المنافسة الاقتصادية بين المملكة العربية السعودية والإمارات أبرز الديناميكيات الداخلية في مجلس التعاون. فكلتا الدولتين تنتهجان استراتيجيات تنويع اقتصادي عدوانية تستهدف قطاعات متشابهة إلى حد بعيد، بما فيها السياحة والمال واللوجستيات والتكنولوجيا والترفيه. والموقع الراسخ للإمارات بوصفها مركزاً تجارياً إقليمياً، مُقترناً بالانفتاح التنظيمي في دبي والقوة المالية السيادية لأبوظبي، يُقدّم تحدياً تنافسياً تُعالجه المملكة عبر استثمارات ضخمة في البنية التحتية والإصلاح التنظيمي وتوظيف الموارد المالية لصندوق الاستثمارات العامة.
تجلّى هذا التنافس في تدابير سياسية ملموسة. فاشتراط المملكة عام 2024 على الشركات الراغبة في المزايدة على العقود الحكومية الاحتفاظَ بمقارّها الإقليمية في المملكة تحدّى مباشرةً مكانة دبي المركز التجاري المفضّل للشرق الأوسط. وقد دفع هذا الاشتراط مئات الشركات متعددة الجنسيات إلى الانتقال إلى الرياض، مُغيّراً المشهد التنافسي بين العاصمتَين الخليجيتَين ومُولّداً احتكاكاً تحت سطح اللياقة الدبلوماسية.
على صعيد التعاون الأمني، أحرز مجلس التعاون تقدماً تدريجياً في القدرات العسكرية المشتركة. فقوة درع الجزيرة، الإطار العسكري الجماعي للمجلس، جُدِّدت استناداً إلى الدروس المستخلصة من أزمة قطر. ومبادرات الدفاع الجوي والصاروخي المشتركة — بما فيها تكامل أنظمة الإنذار المبكر وقدرات الاعتراض — تُمثّل تقدماً ذا معنى في الأمن الجماعي. غير أن استمرار تفضيل دول مجلس التعاون الفردية للترتيبات الدفاعية الثنائية مع القوى الخارجية، ولا سيما الولايات المتحدة، يُقيّد تطوير طاقة دفاع جماعي ذاتية.
يبقى الاتحاد الجمركي والسوق المشتركة مشاريع قيد التطوير. فبينما تبلغ التعريفات الجمركية على التجارة البينية لدول المجلس صفرياً من الناحية النظرية، تستمر العقبات غير الجمركية — بما فيها المعايير والأنظمة وتفضيلات الشراء الحكومي — في تجزئة السوق. وأُعلن عن مبادرة التأشيرة الخليجية الموحّدة التي تُتيح للسياح زيارة دول الخليج المتعددة بتأشيرة واحدة، لكن الجداول الزمنية للتطبيق لا تزال غير محددة. وتراجع التقدم في الاعتراف المتبادل بالمؤهلات المهنية وقابلية نقل المزايا الاجتماعية لمواطني المجلس عبر الدول الأعضاء.
تقدّم التكامل المالي تقدماً أبعد من تكامل سلع العمل. إذ تعمل بنوك الدول الأعضاء عبر الحدود بيسر نسبي، وتدفقات رأس المال داخل المنطقة غير مُقيَّدة عموماً، وتعمّقت الروابط بين أسواق الأسهم. وتُمثّل البنية التحتية لأنظمة الدفع — بما فيها منصة بنّا للمدفوعات العابرة للحدود — تقدماً ملموساً في التواصل المالي الداعم للتكامل الاقتصادي الأوسع.
الانعكاسات على رؤية 2030
يُعدّ تكامل مجلس التعاون بشكل ملموس لرؤية 2030 في أبعاد متعددة. فسوق مشتركة وظيفية ستُوسّع بصورة ملحوظة السوق القابلة للاستهداف للشركات السعودية، مُوفّرةً قاعدة مستهلكين إقليمية تتجاوز ستين مليون نسمة بعض أعلى دخول الفرد في العالم. وللقطاعات التي تستهدفها رؤية 2030 — بما فيها السياحة والترفيه والخدمات المالية والتكنولوجيا — يمكن أن يُحسّن الوصول إلى السوق الخليجية الأشمل بصورة ملحوظة من جدوى الاستثمار والتطوير.
سيُعزّز إتمام الاتحاد الجمركي مكانة المملكة مركزاً لوجستياً إقليمياً، وهو هدف رئيسي في رؤية 2030. فالمركزية الجغرافية للمملكة داخل مجلس التعاون، مُقترنةً ببنيتها التحتية المتطورة من موانئ وسكك حديد، تُؤهّلها لتكون مركز التوزيع الرئيسي للتكتل إن أُزيلت العقبات الجمركية والتنظيمية. ويُقيّد فشل إتمام الاتحاد الجمركي إمكانات نمو قطاع اللوجستيات ويُجزّئ سلاسل الإمداد عبر المنطقة.
قد يُعزّز تكامل السياحة عبر تأشيرة مجلس التعاون الموحّدة بصورة ملحوظة أعداد الزوار إلى المملكة. فإمكانية الجمع بين زيارات لدول خليجية متعددة في رحلة واحدة ستزيد من جاذبية المنطقة وجهةً وتُمكّن المملكة من استقطاب الزوار الذين ربما يقصرون رحلتهم على الإمارات. واستثمارات المملكة في البنية التحتية السياحية — بما فيها تطويرات البحر الأحمر والعُلا والدرعية — ستستفيد من التواصل الإقليمي المُعزَّز.
غير أن تكامل مجلس التعاون يُنشئ أيضاً مخاطر تنافسية لرؤية 2030. فالتكامل الأعمق قد يُمكّن المنظومة المؤسسية الراسخة للإمارات من المنافسة بفعالية أكبر في السوق السعودية، مما قد يُقوّض سياسة إلزام مقارّ الشركات والتدابير الأخرى المُصمَّمة لبناء مكانة الرياض مركزاً تجارياً إقليمياً. ويُفرز التوتر بين الفوائد الاقتصادية للتكامل وانعكاساته التنافسية حسابات سياسية معقدة للمخططين السعوديين.
البُعد الأمني الجماعي ذو صلة مباشرة باعتماد رؤية 2030 على الاستقرار الإقليمي. فالتعاون الأمني الفعّال في إطار مجلس التعاون يُقلّص التكلفة الدفاعية لكل دولة ويُحسّن القدرة الجماعية على الاستجابة للتهديدات الإيرانية أو الفاعلين من غير الدول ويُعزّز جاذبية المنطقة للمستثمرين الدوليين الذين يُسعّرون مخاطر الأمن الإقليمي في قراراتهم الاستثمارية.
تقييم المخاطر
السيناريو الأول: التكامل الوظيفي (الاحتمالية: 30%) يتعمّق التعاون البراغماتي في مجالات بعينها — بما فيها تأشيرات السياحة والتنظيم المالي والتواصل في البنية التحتية — دون استلزام إصلاح مؤسسي شامل. وتُدير المملكة والإمارات ديناميكيتهما التنافسية عبر التنسيق غير الرسمي والتخصص القطاعي. يُوفّر هذا السيناريو مزايا ذات معنى لكنها تدريجية لرؤية 2030.
السيناريو الثاني: استمرار الوضع الراهن (الاحتمالية: 50%) يواصل مجلس التعاون أداء وظيفته إطاراً سياسياً ودبلوماسياً دون تحقيق تكامل اقتصادي جوهري. تنتهج الدول الأعضاء استراتيجيات تنويع وطنية متوازية، مع اقتصار التعاون على المجالات ذات المنفعة المتبادلة الواضحة. ويبقى الاتحاد الجمركي والسوق المشتركة ناقصَين. هذا السيناريو محايد لرؤية 2030 التي تمضي أساساً على الأسس الوطنية لا الإقليمية.
السيناريو الثالث: التشرذم المتجدد (الاحتمالية: 20%) نزاع داخلي جديد في مجلس التعاون — يُثيره ربما سياسات اقتصادية تنافسية أو خيارات سياسية خارجية متباينة أو ديناميكيات قيادية — يُعطّل التصالح ويُقوّض التعاون. وبينما يبدو تكرار حصار مماثل لأزمة قطر مستبعداً، فإن حقبة توتر دبلوماسي يمكن أن تُجمّد مبادرات التكامل وتُنشئ تأثيرات إدراكية سلبية لدى المستثمرين الإقليميين.
المآل
سيُشكّل مستقبل مجلس التعاون مشروعاً تكاملياً أساساً الديناميكية السعودية الإماراتية الجامعة بين مصالح حقيقية مشتركة في الاستقرار الإقليمي وتنافس اقتصادي متصاعد. وقدرة الاقتصادَين الخليجيَّين الأكبر على وضع إطار للتنافس المُدار — تُحدَّد فيه مجالات التعاون بوضوح منفصلةً عن مجالات التنافس — ستُحدّد ما إذا كان مجلس التعاون يتطور نحو تكامل ذي معنى أم يبقى مؤسسة شكلية إلى حد بعيد.
بالنسبة لرؤية 2030، الاستراتيجية المثلى هي انتهاج التكامل بصورة انتقائية، مُقدِّمةً مبادرات توسّع النفاذ إلى السوق وتُخفّض التكاليف — كالتأشيرة الموحّدة والتكامل المالي — مع الحفاظ على أدوات السياسة اللازمة لبناء المكانة التنافسية للمملكة المركزَ الاقتصادي الرئيسي في المنطقة. يستلزم هذا النهج مهارة دبلوماسية وطاقة مؤسسية للتفاوض على اتفاقيات متعددة الأطراف معقدة مع حماية المصالح الاستراتيجية الوطنية.
تشمل المؤشرات الرئيسية الجدول الزمني لتطبيق التأشيرة الموحّدة لمجلس التعاون والتقدم في إتمام الاتحاد الجمركي ومسار انتقال الشركات بين العواصم الخليجية وتطور القدرات العسكرية المشتركة. ويُوفّر الانخراط على مستوى القيادة داخل مجلس التعاون، ولا سيما بين القيادتَين السعودية والإماراتية، أكثر الإشارات موثوقية على اتجاه التكتل.