السياق الاستراتيجي
شكّلت رئاسة المملكة العربية السعودية لمجموعة G20 عام 2020 لحظة فارقة في اندماج المملكة في أعلى مستويات الحوكمة الاقتصادية العالمية. فبوصفها أولى الدول العربية التي تتولى الرئاسة الدورية للمنتدى الرئيسي للتعاون الاقتصادي الدولي، اكتسبت المملكة منبراً لتشكيل أجندات السياسات العالمية وإبراز طاقتها المؤسسية وتصدير رواية التحديث والإصلاح الداعمة مباشرةً لقصة التحول في رؤية 2030.
تضم مجموعة G20 أكبر عشرين اقتصاداً في العالم إضافةً إلى الاتحاد الأوروبي، وتُمثّل نحو خمسة وثمانين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وخمسة وسبعين بالمئة من التجارة الدولية وثلثَي سكان العالم. وتمنح العضوية في هذا المنتدى المملكةَ مقعداً على طاولة النقاش في قضايا تمتد من التنسيق الاقتصادي الكلي والتنظيم المالي إلى سياسات المناخ وحوكمة الاقتصاد الرقمي والاستجابة للجوائح. وتعكس مشاركة المملكة ثقلها الاقتصادي بوصفها أكبر مصدّر للنفط في العالم وطموحاتها المتنامية كفاعل في الحوكمة العالمية.
تزامنت توقيت الرئاسة السعودية مع اندلاع جائحة كوفيد-19 التي حوّلت أجندة المنتدى من النقاشات المخطّط لها حول التمكين الاقتصادي والاستدامة البيئية إلى إدارة أزمة تاريخية الأبعاد. فقد نسّق القمة الاستثنائية لزعماء G20 المُنعقدة افتراضياً برئاسة سعودية في مارس 2020 الاستجابةَ المالية الدولية للجائحة، بما فيها الالتزامات بضخ ما يزيد على خمسة تريليون دولار كحوافز اقتصادية ومبادرة تعليق خدمة الديون للدول النامية.
مثّل إطار اقتصاد الكربون الدائري المُقدَّم في ظل رئاسة المملكة لمجموعة G20 إسهاماً بشكل ملموس في الخطاب المناخي الدولي. فبإعادة تأطير النقاش المناخي حول إدارة الكربون بدلاً من التخلص من الوقود الأحفوري، دفع الإطار بالتموضع الاستراتيجي للمملكة في الحوكمة المناخية العالمية إلى الأمام مع تعزيز نهج متوافق مع اقتصادها المعتمد على الهيدروكربونات.
الديناميكيات الراهنة
بقي انخراط المملكة مع G20 في أعقاب رئاستها مستداماً واستراتيجياً. فقد استثمرت المملكة العلاقات المؤسسية ومنصات السياسات التي أرسّتها إبان رئاستها للحفاظ على نفوذها في وضع الأجندة G20 والتفاوض على النتائج. وتعكس المشاركة السعودية في المسار المالي لـ G20 — بما فيها الإسهامات في نقاشات الضرائب الدولية وتنظيم العملات الرقمية ومرونة النظام المالي — طاقة مؤسسية متنامية في الحوكمة الاقتصادية العالمية.
وظّفت المملكة منصة G20 للدفاع عن مواقف محورية في مصالحها الاستراتيجية. فعلى صعيد سياسة الطاقة، دأبت على الدعوة إلى الاستثمار في جميع مصادر الطاقة بما فيها الهيدروكربونات مع احتجاز الكربون، متحدّيةً الروايات التي تُصوّر التحول الطاقوي مستلزماً التخلص السريع من الوقود الأحفوري. وهذا الموقف الذي يتقاسمه عدد من أعضاء G20 كروسيا وإندونيسيا قد خفّف الطموحات المناخية للمنتدى مع ضمان تمثيل مصالح الدول المنتجة في نتائج السياسات.
على صعيد حوكمة الاقتصاد الرقمي، انخرطت المملكة بفاعلية في نقاشات G20 حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات والضرائب الرقمية، معبّرةً عن الطموحات السعودية المتنامية في القطاع التكنولوجي ورغبتها في تشكيل الأطر التنظيمية التي ستحكم الاقتصاد الرقمي. وتتوافق مواقف المملكة حول السيادة الرقمية والاستثمار في البنية التحتية الرقمية مع أهداف رؤية 2030 والمسعى الأشمل لبناء اقتصاد قائم على المعرفة.
يُتيح التركيز المتطور لـ G20 على التنمية المستدامة والاستثمار في البنية التحتية ونمو الأسواق الناشئة فرصاً للمملكة لتموضعها جسراً بين الدول المتقدمة والنامية. فثروتها السيادية وموارد الطاقة لديها وموقعها الجغرافي عند تقاطع أفريقيا وآسيا وأوروبا يُوفّر منبراً طبيعياً لهذا الدور التجسيري الذي يُعزّز نفوذها الدبلوماسي ويُنشئ فرصاً تجارية متوافقة مع استراتيجيات الاستثمار لصندوق الاستثمارات العامة.
تعكس علاقات المملكة داخل G20 تموضعها الأشمل في عالم متعدد الأقطاب. فهي تحتفظ بانخراط منتج مع أعضاء G20 الغربيين — بما فيهم الولايات المتحدة والدول الأوروبية واليابان — والأعضاء غير الغربيين — بما فيهم الصين والهند وروسيا والبرازيل. ويُمكّن هذا التموضع المتوازن المملكةَ من الضطلاع بدور بناء التوافق في المسائل التي يُنشئ فيها تنوع عضوية G20 احتكاكاً سياسياً، مُعزِّزاً سمعتها فاعلاً براغماتياً وبنّاءً في الحوكمة.
خضع مصداقية G20 لاختبار صعب في ظل التوترات الجيوسياسية، ولا سيما الصراع الروسي الأوكراني الذي عقّد بناء التوافق في مسائل تتراوح بين أمن الطاقة والعقوبات المالية. وقد اتسّق تموضع المملكة المحايد من الصراع — رافضةً الانضمام إلى العقوبات الغربية دون أن تُجيز الأعمال الروسية — مع نهجها الأشمل في مواجهة التنافس بين القوى الكبرى، لكنه استلزم تنقلاً دقيقاً داخل منتدى G20.
الانعكاسات على رؤية 2030
توفّر عضوية G20 لرؤية 2030 منبراً دولياً رفيع المستوى يُعزّز مصداقية المملكة لدى المستثمرين العالميين وصانعي السياسات والمؤسسات. فالارتباط بأكثر منتديات الحوكمة الاقتصادية نفوذاً يُشير إلى أن المملكة مشارك جاد في المنظومة الاقتصادية العالمية لا مجرد مُصدِّر للموارد. وينعكس هذا التصور مباشرةً على جذب الاستثمار وأهداف التحديث المؤسسي لبرنامج التحول.
النفوذ السياسي الذي توفره عضوية G20 له انعكاسات عملية على تنفيذ رؤية 2030. فقدرة المملكة على تشكيل الأطر التنظيمية الدولية في مجالات كالضرائب الرقمية وحوكمة الذكاء الاصطناعي وسياسة الطاقة والتنظيم المالي تضمن تطور القواعد العالمية في اتجاهات متوافقة مع الاستراتيجية التحويلية للمملكة. وفي غياب عضوية G20، ستكون المملكة متلقّيةً للقواعد لا صانعةً لها في هذه المجالات الحيوية.
الطاقة المؤسسية المُكتسبة إبان رئاسة G20 عزّزت البنية التحتية الحوكمية للمملكة بطرق تعود بالنفع على رؤية 2030. فخبرة إدارة مفاوضات متعددة الأطراف معقدة والتنسيق مع المنظمات الدولية وتسليم فعاليات دبلوماسية رفيعة المستوى عزّزت قدرات المؤسسات الحكومية السعودية وأثبتت للجمهور الدولي أن المملكة تمتلك النضج المؤسسي اللازم لقوة اقتصادية عالمية.
تدعم شبكة علاقات G20 أيضاً الأهداف التجارية لرؤية 2030. فالانخراط على مستوى القيادة مع رؤساء الدول والحكومات في أكبر عشرين اقتصاداً في العالم يُنشئ رأسمالاً دبلوماسياً يمكن توظيفه لدعم أهداف بعينها في الاستثمار والتجارة والشراكات التكنولوجية. وتستفيد الاستراتيجية الاستثمارية العالمية لصندوق الاستثمارات العامة والشراكات الدولية لأرامكو وجهود ترويج السياحة للمملكة جميعها من الوصول والعلاقات التي توفرها عضوية G20.
تقييم المخاطر
السيناريو الأول: تعزيز النفوذ (الاحتمالية: 40%) تبني المملكة العربية السعودية على رئاستها لـ G20 لترسيخ دور متصاعد الأهمية في الحوكمة العالمية، مُشكِّلةً النتائج السياسية في مجالات الطاقة والمناخ والاقتصاد الرقمي وتمويل التنمية. ويُعزّز الدور التجسيري للمملكة بين الدول المتقدمة والنامية رأسمالها الدبلوماسي ويدعم البيئة التمكينية الدولية لرؤية 2030.
السيناريو الثاني: الانخراط الهامشي (الاحتمالية: 40%) تحافظ المملكة على مشاركتها في G20 لكنها تواجه نفوذاً متراجعاً مع تقليص التوترات الجيوسياسية بين الأعضاء الرئيسيين من فعالية المنتدى. يُصبح G20 مسرحاً دبلوماسياً أكثر من كونه هيئةً صانعة للسياسات، وتتقلص إسهامات المملكة بفعل قيود المنتدى. وتستفيد رؤية 2030 بصورة معتدلة من استمرار العضوية لكنها لا تحقق مزايا تحويلية.
السيناريو الثالث: تشرذم المنتدى (الاحتمالية: 20%) تُقوّض التوترات الأمريكية الصينية المتصاعدة أو الشقوق الجيوسياسية الأخرى قدرةَ G20 على الأداء كمنتدى قائم على التوافق. يُرغم ظهور كتل متنافسة داخل G20 المملكةَ على التنقل في نقاشات متزايدة الاستقطاب. تُصبح استراتيجية توازن المملكة أصعب استدامةً، ويتراجع نفعُ G20 منبراً للدبلوماسية المرتبطة برؤية 2030.
المآل
يبقى G20 واحداً من أثمن الأصول الدبلوماسية للمملكة العربية السعودية، مُوفّراً منبراً للنفوذ العالمي يصعب على عضويات مؤسسية سعودية أخرى مجاراته. وتتوافق استراتيجية المملكة في توظيف عضوية G20 للنفوذ السياسي وتعزيز المكانة جيداً مع متطلبات رؤية 2030 في بيئة دولية داعمة.
يكمن التحدي الآني في المحافظة على الأهمية والنفوذ داخل منتدى يعاني ضغوطاً من التنافس بين القوى الكبرى والتشرذم الجيوسياسي والتشكيك في فعاليته. وتُوفّر قدرة المملكة على الضطلاع بدور الجسر بين المصالح المتنافسة، مستندةً إلى علاقاتها مع الأعضاء الغربيين وغير الغربيين معاً، مصدراً محتملاً للنفوذ الدائم إن استُدامت المهارة الدبلوماسية اللازمة لاستثماره.
تشمل المؤشرات الرئيسية النتائج الجوهرية لقمم G20 السنوية ودور المملكة في مفاوضات مجموعات العمل وإسهاماتها في البيانات المشتركة وخطط العمل لـ G20 وتواتر وجوهر اللقاءات الثنائية المُجراة على هامش المنتدى. وستُحدّد الفعالية الإجمالية للمنتدى آليةً للحوكمة السقفَ الممكن لنفوذ المملكة المستمَدّ من G20.