العلاقات التجارية السعودية الأوروبية: السياق الاستراتيجي
تجمع العلاقات التجارية السعودية الأوروبية بين أمن الطاقة والهيدروجين الأخضر والتنظيم الصناعي وتدفقات الاستثمار والوصول إلى أسواق رؤية 2030. ويُشكّل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة مجتمعَين ثالث أكبر شريك تجاري للمملكة، مع تجارة ثنائية تتجاوز خمسين مليار دولار سنوياً. وتُشارك شركات أوروبية بصورة جوهرية في المشاريع الضخمة لرؤية 2030، وتُعدّ المؤسسات المالية الأوروبية مستثمرين رئيسيين في الأصول السعودية، فيما تُسهم التكنولوجيا والخبرة الأوروبية في تحديث المملكة عبر قطاعات تمتد من التخطيط العمراني إلى الطاقة المتجددة.
أُعيد تشكيل البُعد الطاقوي في العلاقة جذرياً في أعقاب الصراع الروسي الأوكراني. فحاجة أوروبا الملحّة إلى تنويع إمداداتها الطاقوية بعيداً عن الغاز الروسي أوجدت فرصاً جديدة للمملكة للضطلاع بدور المورد الموثوق البديل، سواء من خلال توسعة طاقة الغاز الطبيعي المسال أو عبر تجارة الهيدروجين الأخضر الناشئة الأهم دلالةً. وتُولّد أهداف إزالة الكربون الطموحة في الصفقة الأوروبية الخضراء طلباً على الهيدروجين الأخضر ومشتقاته تعمل المملكة على تموضعها لتوريده بأحجام كبيرة.
غير أن العلاقة السعودية الأوروبية تُعقّدها عناصر قيمية تُميّز الدبلوماسية الأوروبية عن المناهج الأكثر براغماتية التي ينتهجها الشركاء الآسيويون. فقد كانت المؤسسات والحكومات الأوروبية صريحةً في انتقاد الممارسات السعودية في مجال حقوق الإنسان، وأصدر البرلمان الأوروبي قرارات انتقادية بشأن المملكة في مناسبات متعددة. وأثارت قضية خاشقجي عام 2018 تدقيقاً أوروبياً مكثفاً بالغ الخصوصية، ولا تزال المخاوف المتعلقة بحقوق المرأة وحرية التعبير وأوضاع العمالة الوافدة تتصدر الانخراط الدبلوماسي بين الاتحاد الأوروبي والمملكة.
آلية تعديل حدود الكربون للاتحاد الأوروبي، وهي السياسة التجارية المناخية البارزة للتكتل، قادرة على التأثير بشكل ملحوظ في تنافسية الصادرات السعودية. مع توسع نطاق هذه الآلية لتشمل طيفاً أوسع من المنتجات، ستواجه كثافة الكربون في الصادرات السعودية — بما فيها البتروكيماويات والألومينيوم والفولاذ — ضغوطاً تنظيمية وتكاليفية متصاعدة في السوق الأوروبية. وهذا يُنشئ في آنٍ واحد تحدياً وحافزاً للمملكة لإزالة الكربون من إنتاجها الصناعي وتطوير منتجات تصديرية تنافسية كربونياً.
الديناميكيات الراهنة
تُمثّل فرصة الهيدروجين الأخضر التطور الأكثر إمكانية تحويلية في العلاقات التجارية السعودية الأوروبية. يُرسّخ جمع المملكة بين الموارد الشمسية وطاقة الرياح الوفيرة والأراضي المتاحة لنشر الطاقة المتجددة والبنية التحتية الطاقوية القائمة والقرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية موقعها واحداً من أكثر الموردين المحتملين لتنافسية لأوروبا في الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء.
مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر، المشروع المشترك بين نيوم وACWA Power وAir Products، مصمَّم لإنتاج الأمونيا الخضراء للتصدير باستخدام الطاقة المتجددة. وبينما يُعدّ الإنتاج الأولي للمشروع متواضعاً في سياق الطلب الأوروبي المتوقع، فإنه يُرسّخ المملكة متحركاً مبكراً في سوق تتوقع استراتيجية الهيدروجين الأوروبية نموّه ليبلغ عشرة ملايين طن من الواردات سنوياً بحلول 2030. وستوسّع مشاريع هيدروجين أخضر إضافية على طول ساحل البحر الأحمر وسواحل الخليج طاقة الإمداد نحو متطلبات الطلب الأوروبي.
الشركات الأوروبية موردون رئيسيون للتكنولوجيا والخدمات في تنفيذ رؤية 2030. فشركات فرنسية وألمانية وبريطانية وإسبانية وإيطالية تنخرط في إنشاء البنية التحتية والتخطيط العمراني وأنظمة النقل والمعدات الدفاعية وتكنولوجيا الطاقة والخدمات المهنية عبر المملكة. ويُنشئ هذا الانخراط التجاري ترابطات تُخفّف من تأثير التوترات السياسية على العلاقة الثنائية.
تسير علاقة الاستثمار في كلا الاتجاهين. فصناديق الأسهم الخاصة وصناديق البنية التحتية والمستثمرون المؤسسيون الأوروبيون شاركوا في تمويل المشاريع السعودية وصفقات أسواق رأس المال. وتشمل محفظة صندوق الاستثمارات العامة الأوروبية حصصاً في شركات التكنولوجيا والترفيه والخدمات المالية، فيما تُنشئ الاستثمارات في قطاع المصب لأرامكو في التكرير الأوروبي والطاقة البتروكيماوية روابط هيكلية بين الاقتصادَين الطاقويَّين.
تفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، التي تجرى بصورة متقطعة دون التوصل إلى خاتمة منذ أكثر من عقدين، تُمثّل الترقية المحتملة الأهم للعلاقة التجارية. فاتفاق شامل سيُخفّض العقبات الجمركية ويُعزّز التعاون التنظيمي ويُوفّر أطراً مؤسسية لحماية الاستثمار تعود بالنفع على الطرفين. غير أن المفاوضات تعقّدت بسبب إصرار الاتحاد الأوروبي على بنود حقوق الإنسان ومقاومة دول الخليج لفتح الأسواق الزراعية وتباين الآراء حول حماية الملكية الفكرية.
تُشكّل تجارة الدفاع مع الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا والمملكة المتحدة، تدفقاً تجارياً ذا ثقل. وتُنشئ عقود متعددة المليارات لطائرات يوروفايتر تايفون والسفن البحرية والمركبات المدرعة وخدمات الدفاع قوى صناعية في العواصم الأوروبية ذات مصلحة مباشرة في صون علاقات إيجابية مع المملكة.
البيئة التنظيمية الأوروبية — ولا سيما متطلبات إعداد التقارير الاستدامية للاتحاد الأوروبي وتعديلات حدود الكربون وتشريعات العناية الواجبة في سلسلة الإمداد — تُنشئ متطلبات امتثال للشركات السعودية الساعية إلى الوصول إلى الأسواق الأوروبية. والمواءمة مع هذه المعايير التنظيمية، وإن كانت مكلفة، تُهيّئ الشركات السعودية لاستمرارية الوصول إلى السوق وقد تدفع نحو تحسينات في الممارسات البيئية والحوكمة تعود بالنفع على برنامج رؤية 2030 الأشمل.
الانعكاسات على رؤية 2030
تدعم العلاقة الأوروبية رؤية 2030 في أبعاد التكنولوجيا والاستثمار والوصول إلى السوق. فالشركات الأوروبية تجلب خبرات في مجالات حيوية لبرنامج التحول، بما فيها التطوير العمراني المستدام والنقل العام وإدارة المياه والطاقة المتجددة والأتمتة الصناعية. والحفاظ على هذه الشراكات التجارية وتعميقها مهم لطاقة تنفيذ رؤية 2030.
قد تُنشئ فرصة تصدير الهيدروجين الأخضر مصدر إيرادات جديداً يُسهم في التنويع الاقتصادي بعيداً عن الهيدروكربونات. فإن استحوذت المملكة على حصة ذات معنى من الطلب الأوروبي على الهيدروجين الأخضر، يمكن أن يُعوّض الإيرادات المصاحبة جزئياً تراجع صادرات الوقود الأحفوري في عالم يُزيل الكربون. وسيُنشئ تطوير صناعة تصدير الهيدروجين فرص توظيف ونقل تكنولوجيا وتطوير صناعي متوافق مع أهداف رؤية 2030.
يُوفّر الاستثمار الأوروبي في الأصول السعودية رأس مال لمشاريع رؤية 2030 مع الإشارة إلى الثقة الدولية الأوسع في تحول المملكة. والمستثمرون المؤسسيون الأوروبيون، بآفاقهم الاستثمارية طويلة الأمد وأصولهم الكبيرة تحت الإدارة، شركاء ذو قيمة خاصة لمشاريع البنية التحتية والعقارات ذات مسارات العائد الممتدة.
للبُعد التنظيمي في العلاقة الأوروبية انعكاسات مهمة على التطوير الصناعي السعودي. فمتطلبات الامتثال لآلية تعديل حدود الكربون ستدفع الشركات السعودية إلى تقليص كثافة الكربون في المنتجات التصديرية، مُسرّعةً تبني الاحتجاز الكربوني والطاقة المتجددة وممارسات الاقتصاد الدائري المتوافقة مع الأهداف الاستدامية لرؤية 2030.
تقييم المخاطر
السيناريو الأول: الشراكة الخضراء (الاحتمالية: 35%) تتعمّق العلاقات السعودية الأوروبية حول تجارة الهيدروجين الأخضر وتكنولوجيا الطاقة المتجددة والتعاون في التنمية المستدامة. يتطور سوق تصدير الهيدروجين الأخضر بحجم كبير، مُنشئاً ركيزة تجارية جديدة للعلاقة الثنائية. وتُدار الاحتكاكات السياسية عبر الترابط الاقتصادي المتصاعد.
السيناريو الثاني: التعقيد المُدار (الاحتمالية: 45%) تستمر العلاقة بمزيج من التعاون التجاري والاحتكاك السياسي. يتقدم تطوير الهيدروجين الأخضر بوتيرة أبطأ من التوقعات التفاؤلية. ويتقلص الاستثمار الأوروبي في المملكة بفعل المخاوف المتعلقة بالبيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة والمتطلبات التنظيمية. وتُوفّر العلاقة دعماً ذا معنى لكن غير تحويلي لرؤية 2030.
السيناريو الثالث: الاحتكاك القيمي (الاحتمالية: 20%) تُنشئ مخاوف حقوق الإنسان وقيود الاستثمار المدفوعة بمعايير البيئة والمسؤولية والحوكمة والعقبات التنظيمية رياحاً معاكسة مستدامة للانخراط الاقتصادي السعودي الأوروبي. يُخفّض المستثمرون المؤسسيون الأوروبيون استثماراتهم في الأصول السعودية وتتقلص الشراكات التكنولوجية بسبب متطلبات العناية الواجبة في سلسلة الإمداد. وتواجه رؤية 2030 محدودية في الوصول إلى رأس المال الأوروبي والتكنولوجيا وفرص السوق.
المآل
العلاقة السعودية الأوروبية تقف عند نقطة تحوّل محتملة مع إيجاد اقتصاد الهيدروجين الأخضر فرصاً تجارية جديدة قادرة على تحويل ديناميكية التجارة الثنائية. فالانتقال من علاقة مرتكزة على صادرات الهيدروكربونات وتجارة الأسلحة إلى علاقة تتسم بالشراكة في الطاقة النظيفة والتعاون التكنولوجي يتوافق مع الأهداف الاستراتيجية لكلا الطرفين ويُرسي أساساً أكثر ديمومة للانخراط طويل الأمد.
بالنسبة لرؤية 2030، تُمثّل فرصة السوق الأوروبية في الهيدروجين الأخضر والمنتجات المستدامة واحدة من أواعد مصادر الإيرادات ما بعد الهيدروكربونات. ويستلزم استثمار هذه الفرصة استثماراً مستداماً في الطاقة المتجددة وبنية تحتية لإنتاج الهيدروجين وقدرات التصنيع التنافسية كربونياً التي تفرضها الأطر التنظيمية الأوروبية بشكل متصاعد.
تشمل مؤشرات المتابعة الرئيسية التقدم في تطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر واتفاقيات شراء الإنتاج وديناميكيات التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والاتحاد الأوروبي وتدفقات الاستثمار الأوروبي في الأصول السعودية وتطبيق آلية تعديل حدود الكربون وتأثيرها في الصادرات السعودية ومسار الانخراط البرلماني والمؤسسي الأوروبي في قضايا حقوق الإنسان السعودية.