الدبلوماسية المناخية: الانخراط في مؤتمرات الأطراف واقتصاد الكربون
تعمل الدبلوماسية المناخية للمملكة العربية السعودية عند تقاطع اقتصادها الهيدروكربوني وطموحات تحولها في رؤية 2030 والضرورة العالمية للحد من انبعاثات غازات الدفيئة. بوصفها أكبر مصدّر للنفط في العالم وأحد أعلى منتجيه في الانبعاثات للفرد، تحتل المملكة موقعاً شديد الحساسية في مفاوضات المناخ الدولية؛ فهي في آنٍ واحد مساهم رئيسي في الانبعاثات المحركة لتغير المناخ، وأمة مكشوفة وجودياً على العواقب الاقتصادية لسياسات إزالة الكربون العدوانية.
تطوّر النهج السعودي في الدبلوماسية المناخية من المقاومة الدفاعية إلى الانخراط الفعّال، مدفوعاً بالإدراك بأن المشاركة في حوكمة المناخ أجدى من العزلة. وقد مثّل تعهد المملكة بالحياد الكربوني عام 2060، المُعلن في 2021، تحولاً دبلوماسياً بارزاً، يُشير إلى قبول اتجاه أجندة المناخ العالمية مع الحفاظ على جدول زمني يُتيح متطلبات التحول الاقتصادي للمملكة.
يُجسّد إطار اقتصاد الكربون الدائري، المُقدَّم في ظل رئاسة المملكة لمجموعة G20 عام 2020، النهج السعودي المفضّل في مواجهة تغير المناخ. ينظّم هذا الإطار استراتيجيات إدارة الكربون حول أربعة محاور: التخفيض والإعادة والتدوير والإزالة. يُرسّخ هذا التأطير تقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه في مركز جهود التخفيف المناخي، ممّا يُتيح الاستمرار في إنتاج الهيدروكربونات جنباً إلى جنب مع إدارة الانبعاثات. ويتحدى إطار اقتصاد الكربون الدائري مباشرةً الرواية القائلة بأن التحرك المناخي يستلزم التخلص من الوقود الأحفوري، داعياً عوضاً عن ذلك إلى إدارة الانبعاثات بصرف النظر عن مصدرها.
تُفرز جيوسياسية الدبلوماسية المناخية ديناميكيات بالغة التعقيد للمملكة. فالدول الجزرية الصغيرة النامية والأمم الهشة مناخياً تضغط باتجاه التخلص السريع من الوقود الأحفوري، ممّا يُفرز ضغطاً دبلوماسياً يُهدد المصالح الاقتصادية السعودية مباشرةً. والدول الأوروبية تتبنى أهدافاً طموحة لخفض الانبعاثات وأطراً تنظيمية قد تُقيّد الطلب على الهيدروكربونات. والصين والهند، رغم التزامهما بالعمل المناخي، تتقاسمان مع المملكة الاهتمام بجدول زمني للتحول يُستوعب فيه احتياجات التنمية الاقتصادية. أما الولايات المتحدة فتتأرجح بين الطموح المناخي وتشجيع الوقود الأحفوري تبعاً للقيادة السياسية.
الديناميكيات الراهنة
أثبت استضافة المملكة العربية السعودية لمؤتمر الأطراف السادس عشر للتنوع البيولوجي والتصحر في الرياض ثقة المملكة المتنامية بوصفها مضيفةً لكبريات فعاليات الحوكمة البيئية. ورسّخ هذا الانخراط صورة المملكة مشاركاً بنّاءً في الحوكمة البيئية العالمية، مع توجيه الاهتمام نحو قضايا التنوع البيولوجي والتصحر التي تواجه المملكة تحديات مباشرة إزاءها وهي في الوقت ذاته أقل خلافيةً سياسياً من انبعاثات المناخ.
في مفاوضات اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، دأبت المملكة العربية السعودية على التأييد لمواقف تحمي مصالحها الاقتصادية مع الانخراط البنّاء في العملية المناخية. تدعم المملكة مبدأ المسؤوليات المشتركة والمتباينة، الذي يُحمّل الدول المتقدمة التزامات مناخية أكبر بناءً على انبعاثاتها التاريخية، وتدفع نحو الاعتراف باحتياجات التنوع الاقتصادي للدول النامية التي تعتمد اقتصاداتها على صادرات الوقود الأحفوري.
كشف جدل التخفيض في مقابل التخلص الكامل في مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين COP28 بدبي عن خطوط الصدع التي تتنقل المملكة بينها في الدبلوماسية المناخية. فقد نجحت المملكة في إرساء صياغة تقضي بالانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري بدلاً من الالتزامات الصريحة بالتخلص الكامل منه — وهو فارق ذو دلالات اقتصادية جوهرية. وهذه النتيجة الدبلوماسية، وإن انتقدها ناشطو المناخ، تعكس النفوذ التفاوضي للدول المنتجة للنفط في ظل عملية قائمة على التوافق.
توسّعت إجراءات المملكة المناخية الداخلية لتشمل نشراً واسعاً للطاقة المتجددة وبرامج كفاءة طاقوية وتطوير مصارف الكربون الطبيعية. ترمي مبادرة السعودية الخضراء إلى زراعة عشرة مليارات شجرة داخل المملكة، ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر الأشمل نطاقاً التي تستهدف التشجير الإقليمي على نطاق واسع. وبينما تُناقش الجدوى والجدول الزمني لهذه الأهداف الطموحة، فإنها تُعبّر عن التزام بالعمل المناخي المحلي يُعزّز الموقف التفاوضي للمملكة دولياً.
يُعدّ استثمار المملكة في تقنية احتجاز الكربون وتخزينه من أوسعها في العالم. ومنشأة احتجاز الكربون في الجبيل والتوسعات المخطّطة في طاقة الاحتجاز في المنشآت الصناعية والبحث في تقنية احتجاز الهواء المباشر، كل هذه تعكس رهان المملكة على أن احتجاز الكربون سيضطلع بدور محوري في التوفيق بين الاستمرار في إنتاج الهيدروكربونات والالتزامات المناخية. فإن ثبتت الجدوى التقنية والاقتصادية لتقنية احتجاز الكربون على نطاق واسع، سيُوفّر الاستثمار السعودي المبكر ميزة تجارية وتأييداً لنهج اقتصاد الكربون الدائري.
أضحى التمويل المناخي بُعداً ذا ثقل في الدبلوماسية المناخية للمملكة. فإسهاماتها في صناديق المناخ متعددة الأطراف وبرامج المساعدة المناخية الثنائية واستثماراتها في مشاريع الطاقة النظيفة في الدول النامية تُرسّخ صورة المملكة مزوّداً لتمويل المناخ لا مجرد مصدر للانبعاثات. ويُساعد هذا التموضع في دحض رواية المملكة بوصفها عائقاً أمام العمل المناخي ويُكسبها دعماً دبلوماسياً من الدول النامية المستفيدة من التمويل المناخي السعودي.
تمثّل اقتصاد الهيدروجين أقوى تقاطع بين الدبلوماسية المناخية السعودية والاستراتيجية الاقتصادية. فإنتاج الهيدروجين الأخضر باستخدام موارد المملكة الوفيرة من الطاقة الشمسية والرياح يُقدّم منتجاً يُلبّي المتطلبات المناخية وحاجة المملكة إلى عائدات تصدير ما بعد النفط في آنٍ معاً. وترويج الهيدروجين ناقلاً نظيفاً للطاقة في المنتديات المناخية الدولية يخدم المصالح التجارية السعودية مع الإسهام في التحول الطاقوي العالمي.
الانعكاسات على رؤية 2030
تؤثر الدبلوماسية المناخية مباشرةً في رؤية 2030 من خلال تشكيل البيئة التنظيمية والسوقية الدولية لصادرات الطاقة السعودية وجذب الاستثمار والتنويع الاقتصادي. فالسياسات المناخية الدولية العدوانية التي تُسرّع تراجع الطلب على الوقود الأحفوري ستُضيّق الأفق الزمني للإيرادات الذي تعتمد عليه رؤية 2030. وفي المقابل، الأطر المناخية التي تُتيح إدارة الكربون جنباً إلى جنب مع الاستمرار في إنتاج الهيدروكربونات ستُوفّر بيئة أكثر ملاءمة لبرنامج التحول.
يؤثر البُعد السمعاتي للانخراط المناخي في قدرة رؤية 2030 على جذب الاستثمار والكفاءات والسياحة من الأسواق التي يُؤثّر فيها الوعي المناخي قرار المشاركة. يقيّم المستثمرون الأوروبيون والأمريكيون بشكل متصاعد اعتبارات المناخ ضمن العناية الواجبة الاستثمارية، وتؤثر مسألة المناخ السعودية في جاذبية المملكة للرأسمال الحساس لمعايير ESG. ويدعم الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة هذا الانخراط الاستثماري بتقديم دليل على صدق الالتزام بالتحول.
تُسهم الإجراءات المناخية المحلية — بما فيها نشر الطاقة المتجددة وتحسينات كفاءة الطاقة — في أهداف رؤية 2030 من خلال تقليص الاستهلاك المحلي للهيدروكربونات، وتوفير برميل إضافي للتصدير، وخفض كثافة الكربون للناتج الاقتصادي السعودي. وتُولّد هذه الإجراءات مكاسب مالية وبيئية تدعم برنامج التحول.
تُفرز آليات تعديل حدود الكربون التي تُطبّقها الاتحاد الأوروبي ودول أخرى محتملة متطلبات امتثال للصادرات السعودية قد تؤثر في تنافسية المنتجات البتروكيماوية والفولاذية والألومينيوم. وبات الانحياز لمعايير خفض الكربون شرطاً للوصول إلى السوق يتعيّن على الصناعة السعودية التعامل معه.
تقييم المخاطر
السيناريو الأول: الانتقال المدار (الاحتمالية: 40%) يسير العمل المناخي الدولي بوتيرة تُتيح للمملكة تنويع اقتصادها قبل أن تتراجع عائدات النفط تراجعاً ملحوظاً. يكتسب إطار اقتصاد الكربون الدائري قبولاً، وتُصبح تقنية احتجاز الكربون مجدية تجارياً. تنتقل المملكة بنجاح إلى اقتصاد ما بعد الهيدروكربونات مع دعم الدبلوماسية المناخية للعملية لا تهديدها.
السيناريو الثاني: تصاعد الضغوط (الاحتمالية: 35%) تتصاعد الضرورة المناخية مدفوعةً بتصاعد الأحداث الجوية المتطرفة والتعبئة السياسية، مما يقود إلى سياسات دولية أكثر عدوانية تُسرّع تراجع الطلب على الوقود الأحفوري. يواجه المملكة ضغطاً دبلوماسياً متزايداً وعقبات تجارية محتملة تُقيّد عائدات تصدير الهيدروكربونات قبل اكتمال التنويع. وتواجه رؤية 2030 ضغطاً مالياً يستدعي تسريع تطبيق مصادر إيرادات بديلة.
السيناريو الثالث: تشرذم سياسات المناخ (الاحتمالية: 25%) تتشرذم حوكمة المناخ العالمية على خطوط جيوسياسية، مع اتباع تكتلات مختلفة مناهج متباينة. ويُخفّف غياب سياسة مناخية عالمية موحّدة من مخاطر التخلص المنسّق من الوقود الأحفوري، لكنه يُقلّص أيضاً اليقين السوقي للهيدروجين الأخضر وغيره من صادرات الطاقة النظيفة. وتتنقل المملكة في مشهد متشرذم بانعكاسات مختلطة على رؤية 2030.
المآل
ستبقى الدبلوماسية المناخية واحدة من أكثر الساحات حسماً للانخراط الدولي السعودي، بنتائج تؤثر مباشرةً في الافتراضات الاقتصادية الكامنة وراء رؤية 2030. وتُرسّخ استراتيجية المملكة القائمة على المشاركة الفعّالة والمناصرة للمناهج الشاملة للتكنولوجيا والاستثمار في التخفيف المناخي والتكيّف معه موقفها البنّاء في مسار لا يمكن تجاهله.
تتوقف مصداقية الانخراط المناخي السعودي على جوهر الإجراءات الداخلية. فالشركاء الدوليون والمراقبون سيحكمون على المملكة ليس بمواقفها الدبلوماسية وحدها، بل بوتيرة نشر الطاقة المتجددة وفعالية الاستثمار في احتجاز الكربون وصدق التقدم نحو تعهد الحياد الكربوني 2060. والتنفيذ المحلي هو المكمّل الأساسي للانخراط الدبلوماسي.
تشمل مؤشرات المتابعة الرئيسية نتائج مفاوضات مؤتمرات الأطراف السنوية، ومسار صرامة السياسات المناخية العالمية، والجدوى التجارية لتقنية احتجاز الكربون، وتطور سوق الهيدروجين الأخضر، وتطور آليات تعديل حدود الكربون. ويُوفّر نشر الطاقة المتجددة المحلي ومسار الانبعاثات وخط أنابيب مشاريع الهيدروجين الأخضر في المملكة أدق مقاييس تنفيذ الاستراتيجية المناخية السعودية.