تقارن هذه الصفحة بين السعودية وجنوب أفريقيا بوصفهما قوتين اقتصاديتين في منطقتيهما: المملكة تقود بثقل النفط ورأس المال السيادي ومشاريع رؤية 2030، وجنوب أفريقيا تملك قاعدة صناعية ومعدنية وسوقاً مالية أعمق داخل أفريقيا. ويكشف الفارق بينهما في الناتج والطاقة والتعدين والسكان كيف يختلف مسار الإصلاح في كل اقتصاد.
الناتج المحلي الإجمالي والحجم الاقتصادي
يبلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للمملكة العربية السعودية نحو 1.1 تريليون دولار، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الناتج لجنوب أفريقيا البالغ 380 مليار دولار. والفجوة في نصيب الفرد أكثر حدةً: 32,000 دولار للمملكة مقابل 6,300 دولار لجنوب أفريقيا. وقد عانى اقتصاد جنوب أفريقيا من نمو متدنٍّ مزمن لم يتجاوز في المتوسط 2 بالمئة سنوياً طوال عقد من الزمن، تحت وطأة تحديات هيكلية تشمل نقص الطاقة وتدهور البنية التحتية وعدم اليقين في السياسات.
أما مسار نمو المملكة مدفوعاً باستثمارات رؤية 2030 وتوسّع القطاع غير النفطي فقد كان أكثر ديناميكية بكثير. ويتناقض المركز المالي للمملكة المدعوم بعائدات النفط وانخفاض الدين العام مع التعبئة المتصاعدة للدين في جنوب أفريقيا (التي تتجاوز 70 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي) والهامش المالي الضيق.
السكان والتركيبة الديموغرافية
يبلغ عدد سكان جنوب أفريقيا نحو 62 مليون نسمة، أي ما يقارب ضعفَي التعداد السعودي البالغ 33 مليوناً. ويتميّز الملف الديموغرافي لجنوب أفريقيا بشريحة شبابية واسعة (متوسط العمر 28 عاماً)، لكنها تواجه أزمة بطالة حادة تتجاوز نسبتها الإجمالية 32 بالمئة وتقترب البطالة في صفوف الشباب من 60 بالمئة، وهو أحد أشد تحديات التوظيف حدةً في مجموعة العشرين.
أما التحدي الوظيفي في المملكة فأكثر قابلية للإدارة بالأعداد المطلقة. وقد أسهم تركيز رؤية 2030 على توليد فرص العمل في القطاع الخاص ومشاركة المرأة في سوق العمل في إحداث مكاسب توظيفية ملموسة. وتُدرك الدولتان أن الإخفاق في توظيف شبابهما يُفضي إلى مخاطر اجتماعية واقتصادية.
الطاقة والموارد
لا نظير في جنوب أفريقيا لـ267 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية السعودية ومكانة المملكة بوصفها المُصدِّر النفطي الأول عالمياً. وتكمن ثروة جنوب أفريقيا في المعادن؛ إذ تحتفظ بأضخم احتياطيات عالمية من معادن مجموعة البلاتين والمنغنيز والكروميوم، إلى جانب احتياطيات ضخمة من الذهب وخام الحديد والفحم والماس.
ويعاني قطاع الطاقة في جنوب أفريقيا من أزمة هيكلية. فضعف الأداء المزمن لشركة الكهرباء الحكومية إيسكوم، بما فيه انقطاع الكهرباء الدوري (التخلص من الأحمال) الذي بلغ ذروته عام 2023، أعاق النمو الاقتصادي بصورة حادة. وتمر صناعة الكهرباء المعتمدة على الفحم في جنوب أفريقيا بمرحلة تحول عسيرة نحو مصادر متجددة، يُعقّدها شُح التمويل ومحدودية البنية التحتية للشبكة. وتُمثّل وفرة الطاقة في المملكة وطاقتها المتجددة المتنامية مكانةً طاقوية مختلفة جذرياً.
التنويع الاقتصادي
يمتلك اقتصاد جنوب أفريقيا تنوعاً يُصنّفه من الأكثر تنوعاً بين الأسواق الناشئة، مع طاقة بارزة في الخدمات المالية (تحتضن جوهانسبرغ المركز المالي الأفريقي) والتصنيع والتعدين والزراعة والاتصالات. وبورصة جوهانسبرغ هي الأكبر والأكثر سيولة في أفريقيا. غير أن التحديات الهيكلية أعاقت جنوب أفريقيا عن تحويل هذا التنوع إلى نمو مستدام.
الاقتصاد السعودي أقل تنوعاً هيكلياً لكنه يتحوّل بسرعة. وقدرة المملكة على ضخ رأس المال السيادي بالحجم الكبير مقرونةً باتخاذ القرار المركزي تُتيح تنفيذاً أسرع مما تُتيحه بيئة السياسات الأكثر تنازعاً في جنوب أفريقيا. وتطوير القطاعات المستهدف في رؤية 2030 يتناقض مع إطار السياسة الصناعية الأشمل والأبطأ في جنوب أفريقيا.
الثروة السيادية
يُدير صندوق الاستثمارات العامة السعودي أصولاً تتجاوز 930 مليار دولار. ولا تحتفظ جنوب أفريقيا بصندوق ثروة سيادي، عكساً للضغوط المالية والخيارات السياسية التي تُعلي الإنفاق الجاري على الادخار طويل الأمد. وصندوق تقاعد موظفي الحكومة (GEPF) أحد أكبر المستثمرين المؤسسيين في أفريقيا لكنه يخدم التزامات التقاعد لا وظائف التنمية الاقتصادية.
مقارنة التعدين والثروات المعدنية
تتذاوب خبرة جنوب أفريقيا في التعدين مع الطموحات المعدنية الصاعدة للمملكة العربية السعودية. وتُعدّ الثروة المعدنية السعودية المُقدَّرة بـ1.3 تريليون دولار، الشاملة الفوسفات والذهب والنحاس والبوكسيت والعناصر الأرضية النادرة، قطاعاً غير مُستثمَر تُنشّطه رؤية 2030 بصورة متصاعدة عبر معادن وقانون الاستثمار التعديني. وشركات التعدين السعودية وشركات الهندسة والخبرات التقنية الجنوب أفريقية قادرة على أداء أدوار محورية في تطوير الموارد المعدنية السعودية.
العلاقات الثنائية
تُدار العلاقات السعودية الجنوب أفريقية عبر المنابر متعددة الأطراف (مجموعة العشرين وبريكس) وقنوات التجارة الثنائية. وحجم التجارة متواضع قياساً بحجم كل منهما في التجارة الإجمالية لكنه في نمو. وتُعدّ المملكة مورّداً مهماً للبترول لجنوب أفريقيا، في حين تتدفق معدات التعدين والخدمات الهندسية والمنتجات الزراعية الجنوب أفريقية إلى المملكة.
وشاركت الدولتان في عملية توسيع بريكس، مع انضمام المملكة العربية السعودية إلى التكتل عام 2024. وهذه العضوية المشتركة تفتح منصات جديدة للتعاون الاقتصادي والتنسيق متعدد الأطراف.
الانعكاسات الاستثمارية
توفّر جنوب أفريقيا للمستثمرين الوصول إلى أكثر أسواق أفريقيا تطوراً وبنية مالية عميقة وقاعدة اقتصادية متنوعة. وتوفّر المملكة وفرة رأس المال وزخم نمو أعلى وفرص مشاريع تحويلية. وتعكس علاوة المخاطر في جنوب أفريقيا التحديات الاقتصادية الهيكلية (الطاقة والبطالة والحوكمة)، في حين تتعلق علاوة المخاطر في المملكة بالاعتماد على النفط ومخاطر تنفيذ الإصلاح. وللمستثمرين الساعين إلى اتساع الأسواق الناشئة، يُقدّم السوقان تعرّضات جغرافية وقطاعية متنوعة.