تختبر هذه المقارنة بين السعودية وسنغافورة نموذجين للتنمية الموجهة بالدولة عبر حجم الناتج ونصيب الفرد والحوكمة والثروة السيادية ومراكز التجارة والابتكار. فتحول سنغافورة من دولة-مدينة شحيحة الموارد إلى مركز مالي وتقني عالمي يوفر معياراً تستحضره المملكة في طموحات رؤية 2030، بينما تجعل الثروة النفطية ورأس مال المشاريع العملاقة المقارنة مسألة كفاءة وحجم معاً.
الناتج المحلي الإجمالي والحجم الاقتصادي
يبلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للمملكة العربية السعودية نحو 1.1 تريليون دولار، أي ما يعادل 2.5 ضعف الناتج السنغافوري البالغ 420 مليار دولار. غير أن نصيب الفرد السنغافوري من الناتج البالغ نحو 72,000 دولار يُصنَّف بين أعلى المعدلات عالمياً ويتجاوز ضعفَي نظيره السعودي البالغ 32,000 دولار. وتُحقق سنغافورة هذا الإنتاج الاستثنائي بتعداد سكاني لا يتجاوز 5.9 ملايين نسمة على رقعة أصغر من معظم المدن السعودية.
يعتمد النموذج الاقتصادي السنغافوري على الخدمات عالية القيمة والتصنيع المتقدم والصناعات كثيفة المعرفة. أما الاقتصاد السعودي، رغم تنويعه المتسارع، فيحتفظ بثقل نفطي فعلي. وتُجلّي هذه المقارنة الرفعَ المحتمل في نصيب الفرد السعودي من الإنتاج إذا ما حقّق التنويع ولو جزءاً من تعقيد القطاعات السنغافورية.
السكان والحوكمة
يعمل 33 مليون سعودي في ظل نظام ملكي مع صنع قرار اقتصادي متمركز بصورة متنامية. أما النظام البرلماني في سنغافورة، المهيمن عليه حزب العمل الشعبي منذ الاستقلال، فيجمع الهياكل الديمقراطية بسلطة تنفيذية راسخة. ويُتيح كلا النموذجَين تنفيذاً سريعاً للسياسات، وإن عبر آليات مؤسسية مختلفة.
وكثيراً ما يُستشهد بالجهاز المدني القائم على الجدارة في سنغافورة بوصفه معياراً عالمياً. ومساعي تحديث الحوكمة السعودية في إطار رؤية 2030، ومنها الإدارة القائمة على الأداء، والحوكمة الرقمية، وإعادة الهيكلة المؤسسية، تستلهم صراحةً من المبادئ السنغافورية.
الثروة الطبيعية والطاقة
التباين في الموارد مطلق. تحتفظ المملكة العربية السعودية بـ267 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، وتُعدّ أكبر مُصدِّر للبترول في العالم. أما سنغافورة فلا قاعدة موارد طبيعية لديها البتة، إذ تستورد كامل احتياجاتها من الطاقة والمواد الخام. وقد جعل نجاح سنغافورة التنموي رغم شُح الموارد منها المرجعَ الأمثل للدول الغنية بالموارد الساعية إلى إثبات أن الثروة النفطية يمكن تحويلها إلى ازدهار معرفي مستدام.
وتوفّر الميزة الطاقوية للمملكة فضاءً مالياً لم تمتلكه سنغافورة قط، ما يُتيح استثمارات ضخمة متزامنة عبر قطاعات متعددة. وكان على سنغافورة تطوير رأس المال البشري وجودة المؤسسات وبيئة الأعمال لعدم وجود بديل. وتحدي المملكة هو توليد الإلحاح والكفاءة ذاتهما في حين تتكئ على عائدات النفط.
التنويع الاقتصادي
يتسم اقتصاد سنغافورة بتنوع واسع عبر الخدمات المالية (التي تساهم بنحو 14 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي) والتصنيع الإلكتروني والبتروكيماويات والعلوم الطبية الحيوية والخدمات اللوجستية والخدمات المهنية. ويجمع النموذج السنغافوري بين التوجيه الحكومي الراسخ وديناميكية القطاع الخاص العميقة واستثمار الشركات متعددة الجنسيات والبنية التحتية العالمية المستوى.
يستهدف التنويع السعودي في إطار رؤية 2030 قطاعات السياحة والترفيه والتقنية والخدمات المالية والتعدين والدفاع والطاقة المتجددة. وأحرزت المملكة تقدماً فعلياً، مع نمو متسق للناتج غير النفطي يتخطى الأرقام الإجمالية. غير أن بلوغ عمق التنويع السنغافوري يستلزم تطويراً مؤسسياً ومراجعة تعليمية ونضجاً في القطاع الخاص يحتاج عقوداً لاكتماله.
الثروة السيادية
تُشغّل كلتا الدولتَين صناديق ثروة سيادية بمستوى عالمي. تُدير شركة GIC السنغافورية ما يُقدَّر بـ770 مليار دولار، في حين تُدير شركة تماسك القابضة نحو 380 مليار دولار، مما يمنح سنغافورة ثروة سيادية مجمّعة تتجاوز 1.1 تريليون دولار، رقم مُذهل لدولة لا يتجاوز تعدادها 5.9 ملايين نسمة.
يُدير PIF أصولاً تتجاوز 930 مليار دولار مع استهداف 2 تريليون دولار بحلول 2030. ويختلف التفويض المزدوج للصندوق، الجامع بين العوائد المالية والتنمية الاقتصادية المحلية، عن التوجه المالي البحت لـGIC. ونموذج Temasek الجامع بين العوائد التجارية والمصالح الوطنية الاستراتيجية أقرب إلى نهج PIF، وقد أثّر في تصميمه المؤسسي.
الخدمات المالية وأسواق رأس المال
تُعدّ سنغافورة المركز المالي الرائد في آسيا إلى جانب هونغ كونغ، تحتضن أكثر من 200 مصرف، وأسواق رأس مال عميقة، وإطاراً تنظيمياً معترفاً به عالمياً يخضع لإشراف سلطة النقد السنغافورية. ونمت أسواق رأس المال السعودية نمواً فعلياً، إذ تحتل تداول مرتبة أكبر بورصة في العالم العربي، فيما استقطب انضمام المملكة إلى المؤشرات العالمية الكبرى تدفقات محفظية خارجية ضخمة.
ويستلهم طموح الرياض لتصبح مركزاً مالياً إقليمياً صراحةً من النهج السنغافوري، بما يشمل البيئات التجريبية التنظيمية وأطر التراخيص الدولية وبرامج استقطاب الكفاءات. وتعكس هيئة السوق المالية وتحديث ساما التأثيرات المؤسسية السنغافورية.
الابتكار والتكنولوجيا
تحتل سنغافورة باستمرار مراتب متقدمة بين أعلى دول العالم في مؤشرات الابتكار وحماية الملكية الفكرية وتبني التقنية. وتتجاوز نفقات البحث والتطوير فيها 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وجامعاتها (NUS وNTU) تتصدر التصنيفات العالمية. وقد كانت نفقات البحث والتطوير السعودية في تصاعد، لكنها لا تزال دون 1 بالمئة من الناتج. وتُمثّل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية وSDAIA المنصتَين الرئيسيتَين للابتكار في المملكة.
الانعكاسات الاستثمارية
توفّر سنغافورة للمستثمرين بيئة أعمال استثنائية الكفاءة وسيادة قانون وكثافة استثنائية للمواهب وترابطاً إقليمياً متميزاً. وتوفّر المملكة العربية السعودية الحجم وزخم النمو وفرص المشاريع التحويلية والوصول إلى أسواق دول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأشمل. وكثير من الشركات العالمية تتخذ من سنغافورة مقراً إقليمياً لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بينما تُرسّخ حضوراً في المملكة بوصفها بوابة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إدراكاً للقيمة الاستراتيجية التكاملية. ويُمثّل طموح المملكة العربية السعودية إلى استنساخ كفاءة الحوكمة السنغافورية ورقيّها الاقتصادي المُكيَّف مع سياقها الثقافي والمؤسسي الخاص أحد أبرز الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى في رؤية 2030.