السعودية ومصر: مقارنة الاقتصاد والسكان والاستراتيجية
توضح هذه المقارنة بين السعودية ومصر كيف يختلف أكبر مركزين للتأثير العربي في حجم الناتج والسكان والعمل والطاقة والثروة السيادية. تستند قوة المملكة إلى عائدات النفط ورأسمال صندوق الاستثمارات العامة وتنفيذ رؤية 2030، بينما تستند قوة مصر إلى العمق الديموغرافي والانتشار الثقافي ونفوذ قناة السويس. وتبقى العلاقة الثنائية بينهما من أكثر العلاقات أهميةً في الشرق الأوسط.
الناتج المحلي الإجمالي والحجم الاقتصادي
يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للمملكة البالغ نحو 1.1 تريليون دولار نظيره المصري البالغ 400 مليار دولار بفارق ملحوظ. غير أن تعديل هذه الأرقام وفق معادل القوة الشرائية يُضيّق الفجوة إلى حد بعيد بسبب انخفاض مستويات الأسعار المحلية في مصر. ويكشف نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي عن أحدّ التباين: إذ يبلغ 32,000 دولار في المملكة مقارنةً بنحو 3,800 دولار في مصر، مما يعكس التفاوت الكبير في الثروة الطبيعية وحجم السكان.
شهد الاقتصاد المصري تعديلاً هيكلياً بشكل ملموس منذ تعويم العملة عام 2016 الذي أفضى إلى تضخم حاد لكنه استقطب في المقابل استثمارات دولية متجددة ودعماً من صندوق النقد الدولي. تستفيد المملكة اقتصادياً من استقرار عائدات النفط والاحتياطيات المالية الضخمة.
السكان والتركيبة الديموغرافية
يتجاوز عدد سكان مصر 106 ملايين نسمة، وهو الأكبر في العالم العربي وأكثر من ثلاثة أضعاف عدد سكان المملكة البالغ 33 مليوناً. تضيف مصر نحو 1.5 مليون شخص سنوياً، مما يُفرز سوقاً عمالية ضخمة وتحدي توظيف في آن واحد. يقل نحو 60 بالمئة من سكان مصر عن 30 عاماً، مما يُشكّل واحدة من أكبر الكتل الشبابية عالمياً.
يتسم التحدي الديموغرافي في المملكة بقدر أكبر من القابلية للإدارة من الناحية المطلقة، وإن كان ذا أهمية هيكلية إذ تسعى المملكة إلى دمج المواطنين الشباب في سوق العمل في القطاع الخاص. وقد دأبت العمالة المصرية الفائضة تاريخياً على تزويد سوق العمل السعودية بالكوادر البشرية اللازمة، إذ يُسهم ملايين المغتربين المصريين إسهاماً بالغاً في اقتصادَي البلدين من خلال التوظيف والتحويلات المالية.
الطاقة والموارد
تُعدّ المملكة أكبر مُصدّر للنفط في العالم باحتياطيات تبلغ 267 مليار برميل. أما إنتاج مصر النفطي البالغ نحو 600,000 برميل يومياً فيخدم في معظمه الاستهلاك المحلي، وكانت الدولة مستورداً صافياً للطاقة حتى الاكتشافات الغازية الأخيرة. وقد أعاد تطوير حقل ظهر الغازي في البحر المتوسط — وهو أحد أكبر الاكتشافات الغازية البحرية عالمياً — تحويل مصر إلى مُصدِّر للغاز ومحور إقليمي للطاقة.
يمنح تحكم مصر في قناة السويس نفوذاً لا مثيل له في التجارة البحرية العالمية؛ إذ تعبر القناة ما بين 12 و15 بالمئة من التجارة العالمية، مُولّدةً ما يتجاوز 9 مليارات دولار من العائدات السنوية. لا يملك أحد في محفظة المملكة ما يعادل هذا الأصل الجغرافي، وإن كانت ساحلها على البحر الأحمر ومشروع نيوم يُشكّلان بنية تحتية لوجستية مكملة.
التنويع الاقتصادي
يتسم اقتصاد مصر بتنوع أكبر بطبيعته من اقتصاد المملكة، مع إسهامات جوهرية من التصنيع والزراعة والسياحة والبناء والخدمات. يوظف القطاع الزراعي نحو 25 بالمئة من القوى العاملة، كما يمتلك قطاع التصنيع طاقات متنامية في المنسوجات والأسمنت والصلب وتصنيع الغذاء. واستعادت السياحة المتمحورة حول المواقع التاريخية ومنتجعات البحر الأحمر زخمها بقوة بعد تراجعها إبان الجائحة.
يتسم التنويع السعودي بكثافة رأسمالية أكبر وطموح تكنولوجي أعمق. تهدف استثمارات رؤية 2030 في السياحة والترفيه والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة إلى بناء قطاعات قادرة على المنافسة عالمياً لا مجرد خدمة السوق المحلية. تتمثل ميزة تنويع المملكة في الموارد المالية، في حين تتمثل ميزة مصر في عمق العمالة والقاعدة الصناعية القائمة.
الثروة السيادية
تُدير صندوق الاستثمارات العامة بالمملكة العربية السعودية أصولاً تتجاوز 930 مليار دولار ويقود التحول الاقتصادي المحلي. لا تمتلك مصر صندوق ثروة سيادية بمثل هذا الحجم. أما صندوق مصر السيادي (TSFE) المُنشأ عام 2018، فيُدير محفظة متنامية لكنها متواضعة تتمحور حول استقطاب الاستثمار المشترك في الأصول الحكومية ومشاريع التنمية.
وقد استثمر صندوق الاستثمارات العامة ذاته بصورة ملحوظة في مصر، بما في ذلك المشاركة في تطوير مشاريع العاصمة الإدارية الجديدة والمشاريع السياحية. يمتد الاستثمار السعودي في مصر عبر قنوات غير سيادية، إذ يحتفظ القطاع الخاص السعودي بمصالح تجارية جوهرية في العقارات والتجزئة والخدمات المصرية.
الروابط الاقتصادية الثنائية
تُعدّ المملكة من بين أكبر مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر والتجارة والدعم المالي لمصر. قدّمت المملكة مليارات الدولارات في صورة مساعدات مالية ووديعة لدى البنك المركزي ومنتجات بترولية خلال فترات الضائقة الاقتصادية المصرية. وتُفرز الاستثمارات السعودية في التطوير المجاور لنيوم في منطقة رأس جميلة وممر السياحة على البحر الأحمر روابط اقتصادية عابرة للحدود.
تظل العمالة المصرية ركيزة أساسية لاقتصاد المملكة؛ إذ يعمل في المملكة أكثر من 2.5 مليون مصري في قطاعات البناء والخدمات والتعليم والرعاية الصحية. وتُشكّل تحويلات المصريين من المملكة نصيباً وافراً من تدفقات العملة الأجنبية إلى مصر.
استراتيجيات الرؤية الوطنية
تُعدّ رؤية المملكة 2030 برنامجاً شاملاً للتحول تدعمه رأس المال السيادي. أما رؤية مصر 2030 المُطلقة في الحقبة ذاتها، فتستهدف التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والتنافسية الاقتصادية، غير أنها تعمل في ظل قيود مالية أشد. تمحور تنفيذ مصر حول البنية التحتية الضخمة (العاصمة الإدارية الجديدة وتوسعة قناة السويس وشبكة الطرق الوطنية) الممولة بالديون وشراكات التنمية.
الانعكاسات الاستثمارية
توفر مصر للمستثمرين سوقاً استهلاكية كبيرة وعمالة وفيرة ومزايا تنافسية في تكلفة التصنيع. وتوفر المملكة عمقاً رأسمالياً وإنفاقاً استهلاكياً راقياً وفرصاً في مشاريع تحولية. يتزايد ترابط السوقَين عبر تدفقات الاستثمار العابرة للحدود والتوافق الاستراتيجي. وكثيراً ما يقرن المستثمرون الساعون إلى الانكشاف على منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بين زخم النمو السعودي ونطاق مصر الاقتصادي العمالي.