تمثل مقارنة السعودية والصين إحدى أهم المقارنات في استراتيجية الطاقة والاستثمار العالمية. تخلق مكانة الصين بوصفها أكبر مستورد للطاقة في العالم وثاني أكبر اقتصاد عالمياً طلباً هيكلياً على النفط السعودي، في حين تُفرز رؤية 2030 طلباً سعودياً على التكنولوجيا والتصنيع والاستثمار الصيني.
الناتج المحلي الإجمالي والحجم الاقتصادي
يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للصين البالغ نحو 18 تريليون دولار نظيره السعودي البالغ 1.1 تريليون دولار بعامل ستة عشر مرة. تُعدّ الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم والأول من حيث تعادل القوة الشرائية. يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الصين نحو 12,700 دولار، أي أقل من المملكة البالغة 32,000 دولار، غير أن القوة الاقتصادية الإجمالية للصين وحجم تصنيعها لا تُضاهيهما إلا الولايات المتحدة.
تراجع نمو الاقتصاد الصيني من معدلات مزدوجة الأرقام إلى نحو 4-5 بالمئة، مما يعكس النضج الهيكلي وتعديل قطاع العقارات والتحديات الديموغرافية. أما مسار نمو المملكة فيمثل، رغم صغر حجمه المطلق، قصة تحول أكثر ديناميكية خلال العقد الحالي.
السكان والتركيبة الديموغرافية
يبلغ عدد سكان الصين 1.41 مليار نسمة، أي 43 ضعف عدد سكان المملكة البالغ 33 مليوناً. غير أن الصين تواجه رياحاً ديموغرافية معاكسة حادة: قوة عاملة في سن العمل آخذة في التراجع، وأسرع معدلات شيخوخة في العالم، ومعدلات خصوبة أدنى بكثير من مستوى الإحلال. يوفر التركيب الديموغرافي الأصغر سناً للمملكة مساراً أكثر ملاءمة لقوة العمل على المدى البعيد.
الترابط في الطاقة
تجارة الطاقة هي الأساس الذي تقوم عليه العلاقة الثنائية. تُعدّ الصين أكبر مستورد للنفط السعودي، إذ تستورد نحو 1.7 مليون برميل يومياً من المملكة، ما يمثل نحو 18 بالمئة من إجمالي واردات الصين من النفط الخام. وقد استثمرت أرامكو السعودية في طاقة التكرير الصينية وأبرمت اتفاقيات إمداد طويلة الأجل تُعزّز استدامة الطلب.
يُفرز تراكم الاحتياطيات البترولية الاستراتيجية الصينية والتحول نحو مصادر الطاقة البديلة حالة من عدم اليقين على المدى البعيد بشأن الطلب الصيني على النفط السعودي. بيد أن الصناعة البتروكيماوية المتنامية في الصين تضمن طلباً مستداماً على النفط الخام السعودي كمادة خام حتى مع احتمال تراجع الطلب على وقود النقل. يتوافق قطاع الهيدروجين والطاقة النظيفة الناشئ في المملكة مع هيمنة الصين على تصنيع الألواح الشمسية وتقنية البطاريات.
التكنولوجيا والتصنيع
يُعدّ النظام البيئي الصناعي الصيني الأضخم في العالم، إذ ينتج أكثر من 28 بالمئة من الناتج الصناعي العالمي. وفي القطاعات الحيوية لرؤية 2030 السعودية — بما فيها معدات الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية والاتصالات (5G) وتكنولوجيا المدن الذكية — تحتل الشركات الصينية مكانة الريادة العالمية. وتنخرط كل من هواوي وBYD وEnvision وCATL في السوق السعودية أو تستكشف إمكانية الانخراط فيها.
يتسم القطاع التكنولوجي السعودي بحداثة عهده مع نمو متسارع. تمثل هيئة الحكومة الرقمية وSDAIA وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) منصات لتطوير التكنولوجيا، في حين تبني استثمارات صندوق الاستثمارات العامة في شركات التكنولوجيا الدولية معرفة استراتيجية وشراكات. يمثل نقل التكنولوجيا الصينية فرصة كبيرة لكنها ذات حساسية سياسية للمملكة في ضوء المخاوف الأمريكية بشأن أمن سلاسل إمداد التكنولوجيا.
الثروة السيادية والاستثمار
تُدير المملكة صندوق الاستثمارات العامة بأصول تتجاوز 930 مليار دولار. يرتكز مشهد الثروة السيادية الصيني على شركة الاستثمار الصيني (1.35 تريليون دولار) والمجلس الوطني لصندوق الضمان الاجتماعي وشركة SAFE للاستثمار. تظل تدفقات رأس المال السيادي والمؤسسي الصيني إلى المملكة متواضعة نسبياً قياساً بالاستثمارات الغربية، وإن كانت في تنام مستمر.
أجرى صندوق الاستثمارات العامة استثمارات انتقائية في شركات صينية وشارك في محادثات شراكة في قطاعات التكنولوجيا والترفيه وصناعة السيارات الكهربائية. رفعت قمة الرياض عام 2023 بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس شي جين بينغ أُطر التعاون الاستثماري وحددت القطاعات ذات الأولوية لنشر رأس المال الثنائي.
مبادرة الحزام والطريق ورؤية 2030
تتشارك مبادرة الحزام والطريق (BRI) الصينية ورؤية 2030 السعودية في توافق موضوعاتي يشمل تطوير البنية التحتية والربط والتطوير الصناعي. شاركت المملكة في منتديات مبادرة الحزام والطريق، وتنشط شركات البناء والهندسة الصينية في المشاريع العملاقة السعودية. يُفرز التوافق بين تركيز مبادرة الحزام والطريق على البنية التحتية وأجندة بناء المدن في رؤية 2030 تآزرات طبيعية على مستوى المشاريع.
بيد أن الشراكات الاستراتيجية للمملكة تظل موازنةً بعناية بين الصين والولايات المتحدة، إذ تتجنب المملكة الانحياز الحصري لأي من القوتين، محافظةً على شراكاتها الدفاعية مع واشنطن في حين توسّع روابطها الاقتصادية مع بكين.
التموضع الجيوسياسي
أثبتت الوساطة الصينية في المصالحة الدبلوماسية السعودية-الإيرانية في مارس 2023 النفوذ الصيني المتنامي في الشؤون الشرق أوسطية، وهو نطاق طالما هيمنت عليه الولايات المتحدة تاريخياً. يعكس انفتاح المملكة على الوساطة الدبلوماسية الصينية تنويعاً استراتيجياً أشمل يحافظ على الروابط الأمنية مع الولايات المتحدة بينما يوسع الانخراط الاقتصادي مع الصين.
الانعكاسات الاستثمارية
يتيح الممر الاقتصادي السعودي-الصيني فرص استثمارية كبيرة في الطاقة والتكنولوجيا والتصنيع والبنية التحتية. تُفرز الشركات الصينية المتاحة لها أسواق سعودية وتستثمر فيها عوائد الابتكار السعودي قيماً مضافة ثنائية الاتجاه. يتعين على المستثمرين التعامل مع التعقيد الجيوسياسي، إذ قد تُفرز التوترات الأمريكية-الصينية ضغوطاً على نهج المملكة المتوازن. سيؤثر مسار هذه العلاقة تأثيراً بالغاً في تسعير الطاقة عالمياً وسلاسل إمداد التكنولوجيا والبنية الاقتصادية للشرق الأوسط خلال ما تبقى من العقد.