الإنفاق على الرعاية الصحية في المملكة العربية السعودية: الارتقاء نحو الجودة
تُخصّص المملكة العربية السعودية موارد ضخمة للرعاية الصحية إذ يتجاوز إجمالي الإنفاق الصحي 175 مليار ريال سنوياً ويُمثّل نحو 6 إلى 7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويُشكّل الإنفاق الحكومي الصحي الجزء الأكبر من هذا الرقم إذ تحظى وزارة الصحة بأحد أضخم التخصيصات في الميزانية الوطنية. وتُشغّل المملكة أكثر من 500 مستشفى وآلاف مراكز الرعاية الصحية الأولية تخدم سكاناً يتنامى طلبهم على الرعاية الصحية بفعل التوسع الديموغرافي وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة وتصاعد توقعات الخدمة.
هيكل الإنفاق
وزارة الصحة هي مزود الرعاية الصحية ومموّلها الرئيسي إذ تُشغّل نحو 280 مستشفى وأكثر من 2,300 مركز للرعاية الصحية الأولية. وتُضيف جهات حكومية أخرى بما فيها الخدمات الطبية للقوات المسلحة وشؤون صحة الحرس الوطني والمستشفيات الجامعية طاقةً استيعابية إضافية. وتوسّع القطاع الخاص للرعاية الصحية توسعاً ملحوظاً إذ يستأثر بنحو 25 إلى 30 بالمئة من إجمالي أسرة المستشفيات خادماً المغتربين المؤمَّن عليهم والمواطنين السعوديين الباحثين عن خدمات متميزة.
وارتفع الإنفاق الصحي للفرد بصورة مطردة ليبلغ نحو 1,500 إلى 1,800 دولار، وإن ظل دون مستويات الاقتصادات المتقدمة ذات الدخل المقارن. وتعهدت الحكومة بمواصلة الاستثمار الصحي مع تحسين كفاءة الإنفاق وجودته عبر الإصلاحات الهيكلية.
تحول المنظومة الصحية
يهدف برنامج التحول الوطني للصحة، أحد برامج تحقيق الرؤية، إلى إعادة هيكلة المنظومة الصحية السعودية حول ثلاثة محاور: تحويل المستشفيات الحكومية إلى منظمات رعاية خاضعة للمساءلة وإدخال التأمين الصحي الشامل وتعزيز الرعاية الأولية والوقائية. ويتصوّر البرنامج التحوّل من النموذج المركزي الحكومي الراهن إلى سوق منظّم يتنافس فيه مزودون متعددون على المرضى في إطار منظومة تمويل قائمة على التأمين.
وتقدّمت عملية التحويل المؤسسي بإنشاء مجموعات صحية، وهي مجمّعات منشآت محدّدة جغرافياً تعمل في إطار حوكمة مستقلة مع مساءلة على الأداء. وتهدف هذه المجموعات إلى تحسين الكفاءة التشغيلية وتقليص أوقات الانتظار وتعزيز المخرجات السريرية بإدخال ضوابط الإدارة القائمة على السوق داخل المنظومة الصحية العامة.
إصلاح التأمين
يُشرف مجلس الضمان الصحي التعاوني على نظام التأمين الصحي التعاوني الإلزامي للعاملين في القطاع الخاص ومعاليهم. ويغطي تفويض التأمين نحو 12 مليون مستفيد بينهم أساساً العمال الأجانب وأسرهم. وتوسيع التغطية التأمينية الإلزامية لتشمل المواطنين السعوديين هدف بعيد المدى مشروط بتطوير أطر اكتوارية وشبكات مزودين وطاقة تنظيمية.
ومن المتوقع أن يُحوّل إصلاح التأمين تمويل الرعاية الصحية ناقلاً العبء من التخصيصات المباشرة في الميزانية الحكومية إلى آليات تمويل قائمة على الأقساط. ويُفرز هذا التحوّل فرصاً جوهرية لشركات التأمين ومنظمات الرعاية المُدارة ومزودي الرعاية الصحية القادرين على العمل في بيئة تنافسية موجّهة نحو المخرجات.
الصحة الرقمية
استثمرت المملكة في البنية التحتية للصحة الرقمية بما فيها السجلات الصحية الإلكترونية ومنصات التطبيب عن بُعد وتحليلات البيانات الصحية. ويُتيح برنامج المستشفى الافتراضي صحة استشاراتٍ عن بُعد وإمكانية الوصول إلى المتخصصين في أرجاء المملكة. وتوفر منصة NPHIES للتبادل الوطني للمعلومات الصحية تبادلاً متشاركاً للمعلومات الصحية بين المزودين. ونظام مواعيد يُخفّف الحواجز الإدارية أمام الوصول إلى الرعاية الصحية.
وتُجرَّب تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التشخيص وتخطيط العلاج والإدارة التشغيلية في منشآت الرعاية الصحية السعودية. وتُحدّد استراتيجية الصحة الإلكترونية للمجلس الصحي السعودي خارطة طريق شاملة للتحول الرقمي تستثمر البنية التحتية القوية للاتصالات في المملكة.
التحديات
تواجه المنظومة الصحية السعودية تحديات هيكلية عدة. فارتفاع معدل الإصابة بالأمراض غير المعدية لا سيما السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية والسمنة يدفع الطلب المتزايد على إدارة الأمراض المزمنة. وتُحتل المملكة مرتبة من بين الأعلى عالمياً في انتشار داء السكري إذ يتجاوز 18 بالمئة من السكان البالغين. ويبقى توطين القوى العاملة الصحية أولويةً إذ يُمثّل الأطباء والممرضون الأجانب أغلبية الكوادر السريرية.
التوقعات
الإنفاق الصحي في المملكة في مسار نمو مستمر مدفوعاً بالتوسع السكاني واتجاهات عبء الأمراض ومتطلبات الاستثمار في تحول المنظومة. وتُفرز أجندة الخصخصة والتحويل المؤسسي فرصاً للمشغّلين الصحيين ومزودي التكنولوجيا وشركات التأمين. وللمستثمرين يُمثّل القطاع الصحي في المملكة سوقاً واسعة غير مخترقة بالكامل تخضع لإصلاح هيكلي جذري منسجم مع أهداف رؤية 2030.