نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في السعودية: نظرة هيكلية
يُعدّ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في المملكة العربية السعودية من أعلى المستويات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مما يعكس مكانة المملكة أكبر مُصدِّر للنفط الخام في العالم والاقتصاد المرسِّخ لمجلس التعاون الخليجي. واستناداً إلى أحدث البيانات المتاحة، يبلغ نصيب الفرد الاسمي من الناتج المحلي الإجمالي نحو 32,000 دولار، في حين يرتفع الرقم المعدَّل وفق تعادل القوة الشرائية (PPP) إلى نحو 56,000 دولار، مما يضع المملكة بثبات في مصاف الاقتصادات ذات الدخل المرتفع أو فوق المتوسط عالمياً.
المسار التاريخي
تشكّل مسار نصيب الفرد من الناتج المحلي في المملكة عبر ثلاث مراحل متمايزة: في سنوات الطفرة النفطية (1974-1982) قفز الدخل الفردي الاسمي من ما دون 3,000 دولار إلى ما يتجاوز 17,000 دولار مع تحوّل عائدات البترول للحسابات الوطنية. وتلت ذلك مرحلة تصحيح مديدة امتدت حتى أواخر الثمانينيات والتسعينيات مع تجاوز النمو السكاني توسع الإيرادات واستقرار أسعار النفط العالمية عند مستويات منخفضة. والمرحلة الثالثة بدأت مع الدورة التصاعدية للسلع الأولية (2003-2014) وشهدت تعافي الناتج الفردي بقوة قبل أن يفرض تصحيح أسعار النفط (2014-2016) انضباطاً مالياً متجدداً.
رؤية 2030 وتنويع الدخل
في إطار رؤية 2030، انتهجت المملكة استراتيجية متعمّدة لفصل نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي عن تقلبات أسعار الهيدروكربونات. وتوسّع الاقتصاد غير النفطي بمعدل نمو سنوي مركّب يتجاوز 4 بالمئة بين 2017 و2025 مدفوعاً بالسياحة والترفيه والخدمات المالية والتصنيع المتقدم. ويعني هذا التحوّل الهيكلي أن حصةً متزايدة من الدخل الفردي تُستمدّ اليوم من مصادر متنوعة لا من صادرات النفط الخام وحدها.
وكان برنامج صندوق الاستثمارات العامة للنشر المحلي فاعلاً في إعادة التوازن هذه. فمن خلال المشاريع العملاقة كنيوم ووجهة البحر الأحمر وقدية، يُوجّه الصندوق رأس المال نحو قطاعات تُولّد توظيفاً مستداماً ومخرجات مضافة القيمة تدعم بدورها نمو الدخل الفردي باستقلالية عن أسعار برنت.
الاعتبارات الديموغرافية
يضم نحو 33.4 مليون نسمة في المملكة العربية السعودية قوةً عاملة أجنبية كبيرة تُعقّد حسابات نصيب الفرد. فعند القياس على أساس عدد السكان السعوديين البالغ نحو 22 مليون نسمة يرتفع الناتج الفردي للمواطن ارتفاعاً ملحوظاً. ويهدف برنامج السعودة المعروف بنطاقات إلى زيادة مشاركة المواطنين في سوق العمل مما سيُعيد توزيع الدخل بصورة أوسع بين المواطنين مع احتمال تأثيره على المقام الديموغرافي الكلي مع تطور تركيب القوى العاملة.
ويُمثّل الهرم السكاني الشاب للمملكة بمتوسط عمر يقل عن 32 عاماً فرصةً وتحدياً هيكلياً في آنٍ واحد. فاستيعاب الشريحة الشبابية الكبيرة في التوظيف المنتج عالي القيمة ضرورة لاستدامة نمو الدخل الفردي على المدى المتوسط. وتستهدف برامج حكومية كبرنامج تنمية القدرات البشرية هذا الهدف تحديداً بالاستثمار في التعليم والتدريب المهني وريادة الأعمال.
المقارنات الإقليمية والعالمية
في داخل مجلس التعاون الخليجي، يتخلف نصيب الفرد في المملكة على أساس تعادل القوة الشرائية عن قطر والإمارات اللتين تستفيدان من صغر سكانهما نسبةً إلى ثروتهما الهيدروكربونية. غير أن رقم المملكة يفوق نظيراته في سلطنة عُمان والبحرين والكويت عند تعديله وفق القوة الشرائية. وعالمياً تحتل المملكة الربع الأعلى من الاقتصادات بحسب الدخل الفردي متقدمةً على نظيراتها في مجموعة العشرين كتركيا والأرجنتين والبرازيل.
وتوقع صندوق النقد الدولي مواصلة نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي في المملكة بوتيرة معتدلة حتى 2030 مدعوماً بالإصلاحات المالية بما فيها تطبيق ضريبة القيمة المضافة وترشيد الدعم وتوسيع مصادر الإيرادات غير النفطية. وتُعزّز هذه الإصلاحات استدامة مكاسب الدخل الفردي بتخفيض تعرض المملكة لتراجعات الدورة الاقتصادية للسلع الأولية.
تعديلات تعادل القوة الشرائية وتكلفة المعيشة
يعكس التباين بين نصيب الفرد الاسمي والمعدَّل وفق تعادل القوة الشرائية في المملكة بيئةً معيشية مواتية نسبياً لا سيما في الإسكان والوقود والمرافق حيث أبقت الدعم الحكومي تاريخياً على أسعار دون المستويات الدولية. ومع تقدم إصلاح الدعم في إطار برنامج التوازن المالي، قد يتضيق فارق تعادل القوة الشرائية وإن كان من المتوقع بقاؤه معتداً به نظراً للبيئة السعرية المحلية في المملكة.
التوقعات
نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في المملكة مُهيَّأ لارتفاع مستدام حتى 2030 وما بعده، مشروطاً بالنجاح في تنفيذ التنويع الاقتصادي وتنمية رأس المال البشري وإصلاح سوق العمل. وتستهدف استراتيجية التنمية الوطنية ضمنياً رفع نصيب الفرد من الناتج غير النفطي بوصفه مقياساً محورياً للتحول الاقتصادي ضامنةً أن الازدهار يُستولَد بصورة متزايدة من النشاط المنتج لا من استخراج الموارد وحده.
وللمستثمرين والمحللين يبقى نصيب الفرد من الناتج المقياسَ الأساسي لتقييم المسار الاقتصادي الكلي للمملكة العربية السعودية والأثر التوزيعي لإصلاحات رؤية 2030 عبر المشهد الاقتصادي المتطور للمملكة.