تقدّم هذه النظرة القطاعية على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في السعودية 2025 صورةً عن الحوسبة السيادية والنماذج العربية ومراكز البيانات والشركات الناشئة وتبني الذكاء الاصطناعي الحكومي ضمن رؤية 2030. وتشكّل الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، التي تُشرف عليها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، أساس هذا التوجه إلى جانب HUMAIN وALLaM والشراكات الاستراتيجية مع كبرى شركات التكنولوجيا العالمية.
الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي وسدايا
تأسست الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي عام 2019 بمرسوم ملكي، وتضطلع بدور السلطة الوطنية لحوكمة البيانات وتطوير الذكاء الاصطناعي. يشمل تفويض سدايا سياسة البيانات واستراتيجية الذكاء الاصطناعي وتعزيز البحث العلمي وتطوير المواهب ونشر حلول الذكاء الاصطناعي في القطاعين الحكومي والخاص. وتُشغّل الهيئة المكتب الوطني لإدارة البيانات، الذي يضع معايير جمع البيانات ومشاركتها وحوكمتها عبر الجهات الحكومية.
تستهدف الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي تصنيف المملكة بين أفضل 15 دولة عالمياً في القدرة التنافسية للذكاء الاصطناعي. وترتكز الاستراتيجية على أربعة محاور: بناء بنية تحتية للبيانات جاهزة للذكاء الاصطناعي، وتطوير الكوادر السعودية في هذا المجال، وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ونشر الذكاء الاصطناعي لتحسين الخدمات الحكومية والإنتاجية الاقتصادية. وتُنسّق سدايا التنفيذ عبر الوزارات والهيئات والمؤسسات المملوكة للدولة.
وقد غدت القمة العالمية للذكاء الاصطناعي (GAIN) التي تستضيفها سدايا سنوياً في الرياض أحد أبرز مؤتمرات الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، إذ يستقطب كبار الباحثين ومديري التكنولوجيا وصانعي السياسات والمستثمرين. وتوفّر القمة منصةً للإعلان عن المبادرات السعودية في الذكاء الاصطناعي وتعزيز التعاون الدولي.
مراكز البيانات والبنية التحتية السحابية
تشهد المملكة العربية السعودية توسعاً هائلاً في البنية التحتية لمراكز البيانات والخدمات السحابية، مدفوعةً بمتطلبات التحول الرقمي الحكومي وسياسات توطين البيانات وتنامي طلب المؤسسات على الخدمات السحابية. وقد أسست كبرى موفري الخدمات السحابية الدولية، من بينها Oracle وGoogle Cloud وAlibaba Cloud وSAP، مناطق سحابية سعودية أو أعلنت عن إنشائها، في حين يُشيّد مطورو مراكز البيانات الضخمة منشآت واسعة النطاق لتلبية الطلب المتنامي.
يُتوقع أن يبلغ إجمالي الاستثمار في البنية التحتية لمراكز البيانات السعودية مليارات الدولارات خلال السنوات المقبلة، مُشكّلاً أحد أكبر أسواق مراكز البيانات في الشرق الأوسط. وكان اشتراط الحكومة تخزين فئات معينة من البيانات الحكومية داخل المملكة محركاً رئيسياً للاستثمار في البنية التحتية المحلية، إذ يتعين على موفري الخدمات السحابية الدولية إنشاء مراكز بيانات داخل المملكة لخدمة العملاء الحكوميين.
تُشغّل مجموعة stc، من خلال شركتيها الفرعيتين stc Cloud وCenter3، أكبر محفظة محلية للخدمات السحابية ومراكز البيانات. وتسعى CNTXT المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة إلى تطوير قدرات سيادية في الذكاء الاصطناعي وبنية تحتية سحابية مُخصصة لمعالجة اللغة العربية ومتطلبات الحكومة السعودية.
تطبيقات الذكاء الاصطناعي والنشر الحكومي
نشرت الجهات الحكومية السعودية حلول الذكاء الاصطناعي في طيف واسع من التطبيقات. يُدمج الإطار التشغيلي التكنولوجي لنيوم إدارة المدن المدفوعة بالذكاء الاصطناعي وتحسين استهلاك الطاقة وأنظمة النقل المستقل. وتستخدم وزارة الصحة الذكاء الاصطناعي في دعم التشخيص ومراقبة الأوبئة وتحسين توزيع الموارد الصحية. كما تطبّق وزارة الداخلية الذكاء الاصطناعي في إدارة المرور وأمن الحدود وتحليلات الأمن العام.
تُوظّف أرامكو السعودية، الشركة الأكثر تقدماً تكنولوجياً في قطاع الطاقة عالمياً، الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في نمذجة الخزانات والصيانة التنبؤية وتحسين الحفر وإدارة سلسلة التوريد. ويُطبّق مركز الثورة الصناعية الرابعة التابع لأرامكو تقنيات التعلم الآلي والأتمتة لرفع كفاءة التشغيل عبر قاعدة الأصول الضخمة للشركة.
تعتمد إدارة موسمي الحج والعمرة اعتماداً متزايداً على الذكاء الاصطناعي في إدارة الحشود وتحسين اللوجستيات ومراقبة الصحة وتقديم الخدمات لملايين الحجاج. وتوفر هذه التطبيقات واسعة النطاق بيئات اختبار لتقنيات الذكاء الاصطناعي في بيئات تشغيلية بالغة التعقيد والحساسية.
منظومة الشركات التكنولوجية الناشئة
نمت منظومة الشركات التكنولوجية الناشئة في المملكة العربية السعودية نمواً ملحوظاً، مدعومةً ببرامج حكومية وتوافر رأس مال مخاطر وتنامي الفرص في السوق. تحتضن الرياض وجدة وحرم جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) مجموعات متنامية من الشركات التكنولوجية الناشئة في قطاعات التكنولوجيا المالية والصحية والتعليمية ولوجستيات التكنولوجيا وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
توفر الشركة السعودية للاستثمار الجريء المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة تمويلاً للشركات الناشئة وصناديق رأس المال الجريء المستثمرة في النظام البيئي السعودي. تُشغّل منشآت، هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة السعودية، برامج حاضنات وخدمات تطوير أعمال ودعم تنظيمي لرواد الأعمال التكنولوجيين. وقد أسّست حاضنات ومنظومات رأس مال جريء دولية حضوراً سعودياً، مستقطبةً بفرص السوق والدعم الحكومي.
من أبرز الشركات التكنولوجية السعودية التي حققت حجماً كبيراً: شركة إلم (الخدمات الحكومية الرقمية) وFoodics (تقنيات المطاعم) وتمارة (الشراء الآن والدفع لاحقاً) وسلّة (منصة التجارة الإلكترونية) ومشاريع متعددة تعتمد الذكاء الاصطناعي في برمجيات المؤسسات وتطبيقات المستهلكين.
تطوير المواهب
يُمثّل بناء الكوادر البشرية في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا تحدياً محورياً وأولويةً قصوى. استثمرت المملكة العربية السعودية في برامج منح دراسية ترسل آلاف الطلاب إلى جامعات دولية رائدة للتخصص في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وتوفر المؤسسات المحلية، بما فيها كاوست وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن وأكاديمية طويق، برامج تعليم وتدريب تكنولوجي.
تُقدّم أكاديمية طويق التابعة لسدايا معسكرات تدريب مكثفة في البرمجة وبرامج تدريب في الذكاء الاصطناعي ودورات في الأمن السيبراني، صُمّمت لبناء مسار المواهب المحلية بصورة سريعة. وتوفر الشراكات مع شركات كـ Google وMicrosoft وAmazon وIBM برامج تدريب وشهادات احترافية تُهيئ العمال السعوديين للعمل في قطاع التكنولوجيا.
مشهد الاستثمار
استقطب قطاع التكنولوجيا السعودي استثمارات ضخمة من مصادر محلية ودولية. تشمل استثمارات صندوق الاستثمارات العامة التكنولوجية مراكز عالمية في شركات من بينها Lucid Group، واستثمارات محلية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والمشاريع التكنولوجية. ونما سوق رأس المال الجريء للشركات التكنولوجية السعودية الناشئة من نشاط ضئيل عام 2016 إلى ضخ مئات الملايين من الدولارات سنوياً.
تنظر شركات التكنولوجيا الدولية إلى المملكة العربية السعودية باعتبارها سوقاً ذات نمو بالغ الأهمية، مستثمرةً في مكاتب محلية وشراكات وبنية تحتية للاستحواذ على الطلب الناتج عن التحول الرقمي الحكومي وتحديث المؤسسات وتبني تكنولوجيا المستهلكين.
الأمن السيبراني
طوّرت المملكة العربية السعودية منظومة شاملة للأمن السيبراني في إطار الهيئة الوطنية للأمن السيبراني. يشمل الإطار السيبراني للمملكة حماية البنية التحتية الحيوية وأمن شبكات الحكومة ومتطلبات الامتثال للقطاع الخاص وقدرات الاستجابة للحوادث. ويجعل السطح الرقمي المتزايد الناجم عن التحول الرقمي السريع وتبني الذكاء الاصطناعي الأمنَ السيبراني قدرةً تمكينيةً حيوية للأجندة التكنولوجية الأشمل.
المنظور الاستراتيجي
يسير قطاع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في المملكة العربية السعودية على مسار نمو متسارع، مدعوماً باستثمارات حكومية ضخمة وشراكات دولية استراتيجية وسوق محلية في توسع مستمر. وتشمل التحديات الرئيسية بناء كفاءات محلية كافية وضمان مواكبة حوكمة الذكاء الاصطناعي وأطره الأخلاقية لوتيرة النشر والانتقال من الطلب الحكومي إلى منظومة ابتكار تكنولوجي مستدامة ذاتياً. يُرسّخ حجم الالتزام والاستثمار مكانة المملكة بوصفها من أكثر دول العالم طموحاً في تبنّي الذكاء الاصطناعي، مع إمكانية بروزها فاعلاً مؤثراً في المشهد التقني العالمي.