برامج رؤية دول مجلس التعاون الخليجي: مقارنة ومؤشرات أداء
يعرض هذا التحليل المقارن مؤشرات أداء برامج رؤية دول مجلس التعاون الخليجي عبر الاستراتيجية الوطنية والناتج غير النفطي والثروة السيادية والاستثمار الأجنبي ووتيرة الإصلاح. وتنخرط الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي معاً في واحد من أوسع برامج التحوّل الاقتصادي التي شهدتها أي كتلة إقليمية في التاريخ الحديث. فبناتجها المحلي الإجمالي المشترك الذي يتجاوز تريليوني دولار وأصولها السيادية التي تبلغ أكثر من ثلاثة تريليونات دولار، تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي الموارد المالية الكفيلة بإعادة تشكيل اقتصاداتها جذرياً. وقد أعلنت كل دولة عضو استراتيجيتها الوطنية للرؤية التي تعكس انطلاقتها الخاصة ومواردها وطموحاتها الاستراتيجية، في حين تجمعها هدف مشترك يتمثّل في بناء اقتصادات متنوعة ومستدامة قادرة على الازدهار في ما بعد حقبة الهيدروكربونات.
يُفضي حجم هذه الجهود التحولية وتزامنها إلى ديناميكية تنافسية وتعاونية بالغة التعقيد. فجميع الدول الست تستهدف قطاعات نمو متداخلة كالسياحة والخدمات المالية والتقنية واللوجستيات والطاقة المتجددة، مما يخلق في آنٍ واحد منافسةً إقليمية على الاستثمار والكفاءات وفرصاً للتخصص والتكامل. ويُعدّ فهم التموضع المقارن لكل استراتيجية وطنية ضرورياً للمستثمرين والشركات متعددة الجنسيات وصانعي السياسات الساعين إلى تحسين انخراطهم عبر منطقة الخليج.
مصفوفة المقارنة
| المؤشر | المملكة العربية السعودية | الإمارات | قطر | عُمان | البحرين | الكويت |
|---|---|---|---|---|---|---|
| الرؤية الوطنية | رؤية 2030 | نحن الإمارات 2031 | رؤية قطر الوطنية 2030 | رؤية عُمان 2040 | رؤية اقتصادية 2030 | الكويت الجديدة 2035 |
| سنة الإطلاق | 2016 | 2023 | 2008 | 2021 | 2008 | 2017 |
| عدد السكان (مليون) | 36.4 | 10.3 | 2.9 | 5.2 | 1.5 | 4.9 |
| الناتج المحلي الإجمالي (مليار دولار) | 1,100 | 530 | 230 | 92 | 44 | 165 |
| الناتج المحلي الإجمالي للفرد (دولار) | 30,000 | 51,500 | 80,000 | 17,700 | 29,300 | 33,700 |
| الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي (%) | 50% | 73% | 45% | 39% | 82% | 42% |
| الأصول المُدارة لصندوق الثروة السيادية (مليار دولار) | 930 | 1,320 | 510 | 50 | 18 | 920 |
| التصنيف الائتماني (S&P) | A | AA | AA | BBB | B+ | A+ |
| الاستثمار الأجنبي المباشر (مليار دولار، 2024) | 12.3 | 30.7 | 2.8 | 3.8 | 1.7 | 0.5 |
| وتيرة الإصلاح | مرتفعة جداً | مرتفعة | معتدلة | معتدلة | معتدلة | منخفضة |
التحليل
يمكن تصنيف برامج رؤية مجلس التعاون الخليجي في ثلاث مستويات استناداً إلى الطموح والحجم وتقدّم التنفيذ. يضم المستوى الأول المملكة العربية السعودية والإمارات اللتين تستأثران بالنصيب الأكبر من استثمار التحوّل الإقليمي وأظهرتا أعلى وتيرة إصلاح. فـرؤية 2030 السعودية بمحفظتها الاستثمارية التي تتجاوز التريليون دولار ونطاقها الشامل الذي يمتد على المشاريع العملاقة والسياسة الصناعية والإصلاح الاجتماعي وإعادة هيكلة المؤسسات، هي الأضخم تمويلاً في التاريخ. فيما تبني الإمارات بـ"نحن الإمارات 2031" على عقود من التنويع الناجح، مُركّزةً على تعميق التنافسية في نقاط قوتها الراسخة والتوسع نحو آفاق التكنولوجيا والاستدامة الجديدة.
يضمّ المستوى الثاني قطر وعُمان اللتين تسيران في مسار تنويع متركّز يتناسب مع مواردهما وأحجام سكانهما. فقطر توظّف هيمنتها على الغاز الطبيعي المسال وثروتها الفردية الاستثنائية للاستثمار في رأس المال البشري وبنية تحتية اقتصاد المعرفة والقوة الناعمة العالمية، بما في ذلك إرث كأس العالم 2022. أما رؤية عُمان 2040 فتُمثّل نهجاً براغماتياً مكبَّل بالقيود المالية يستهدف المزايا النسبية الطبيعية للسلطنة في اللوجستيات والتعدين والصيد والسياحة الثقافية مع إدارة وضع الدين الصعب.
يضم المستوى الثالث البحرين والكويت واجهة كلٍّ منهما تحديات هيكلية متمايزة. فقد حققت البحرين أعلى حصة لغير النفط في الناتج المحلي الإجمالي في مجلس التعاون الخليجي بنحو اثنين وثمانين بالمئة، عكساً لتنويع أملاه ضرورة تاريخية، غير أنها تعاني ضغوطاً حادة على استدامة الأوضاع المالية مع ديون عامة تتجاوز مئة وعشرين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. والكويت رغم ثروتها السيادية الفردية الأعلى في مجلس التعاون الخليجي، حقّقت أقل تقدّم في التحوّل الاقتصادي المحلي جراء بنية حوكمة تُعيق سرعة تنفيذ الإصلاحات.
الديناميكيات التنافسية بين دول مجلس التعاون الخليجي أشدّ حدةً في القطاعات التي تستثمر فيها دول متعددة في آن واحد. والسياحة هي أكثر المجالات التنافسية اكتظاظاً، إذ تستهدف الرصيد السياحي الضخم للمملكة العربية السعودية والبنية الفندقية الراسخة في دبي والتموضع القطري بعد كأس العالم وتطوير السياحة الثقافية والبيئية العُمانية نمو الزيارات الدولية. وتتركّز المنافسة في الخدمات المالية على المثلث الرياض-دبي-الدوحة، مع سعي كل مدينة لاستقطاب المقار الإقليمية والمؤسسات المالية. أما تنافس التكنولوجيا والابتكار فيتسارع، مدفوعاً بتوظيف رأس المال السعودي والرشاقة التنظيمية الإماراتية والبنية التحتية التعليمية القطرية في سباق نحو الريادة التقنية الإقليمية.
مبادرات التكامل الإقليمي، وإن كانت في الغالب تقبع في ظل المنافسة الثنائية، تُمثّل بُعداً يحمل إمكانات تحويلية في مسيرة التحوّل الخليجية. فإطار السوق الخليجية المشتركة واتفاقيات الاستثمار الثنائية والتنسيق الناشئ في المعايير التنظيمية يمكنها أن تُضاعف الأثر الجماعي للاستراتيجيات الوطنية المنفردة. ومشروع السكك الحديدية الخليجي الذي سيربط الدول الست فيزيائياً يُمثّل المبادرة التكاملية الأكثر ملموسية الجارية حالياً، مع تشكّل شبكة السكك الحديدية الوطنية في المملكة العربية السعودية عموداً فقرياً للنظام الإقليمي.
موقع المملكة العربية السعودية
تحتل المملكة العربية السعودية الموقع المحوري في مشهد تحوّل مجلس التعاون الخليجي بحكم حجمها الاقتصادي وعدد سكانها وزخم استثماراتها. فالمملكة تستأثر بنحو نصف الناتج المحلي الإجمالي الخليجي الكلي وبحصة أكبر من استثمار التحوّل الإقليمي. ويتجاوز سوقها المحلية بستة وثلاثين مليون نسمة قدرة الاقتصادات الأصغر في الخليج استيعاباً. ويُعيد ضخ صندوق الاستثمارات العامة مئات المليارات من الدولارات عبر المشاريع العملاقة المحلية والصناعات الجديدة والاستحواذات الدولية تشكيلَ الجغرافيا الاقتصادية الإقليمية، وسط تصاعد الرياض في المطالبة بمكانة العاصمة التجارية الأولى للمجلس إلى جانب دبي.
غير أن أداء المملكة على مؤشرات الكفاءة الرئيسية كالاستثمار الأجنبي المباشر للفرد وحصة الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي وتصنيفات التنافسية وجودة التنظيم لا يزال متأخراً عن الإمارات وفي بعض الحالات عن أقران خليجيين آخرين. فتحدّي المملكة يكمن في تحويل برنامجها الاستثماري الضخم إلى نتائج اقتصادية مستدامة تُجاري الأداء الذي بلغته اقتصادات خليجية أصغر وأكثر رشاقة.
المستقبل
يدخل مشهد التحوّل في مجلس التعاون الخليجي مرحلة حاسمة تبدأ فيها الاستثمارات الأولية في تحقيق عوائد قابلة للقياس ويتضح فيها الفارق بين الطموح والتنفيذ. ويستحق الانتباه المسار السعودي بالدرجة الأولى لضخامة التزاماته، إلى جانب التطور المؤسسي المستمر للإمارات والاستراتيجية الاقتصادية القطرية لما بعد كأس العالم والتنمية المتخصصة في المتشعبات الذكية لعُمان. ويحدّد نجاح المنطقة مجتمعةً في بناء اقتصادات متنوعة مصيرها بوصفها قوة اقتصادية عالمية في حقبة ما بعد الهيدروكربونات، بتداعيات تتجاوز الخليج إلى أسواق الطاقة العالمية وتدفقات الاستثمار والديناميكيات الجيوسياسية.