نظرة عامة
تُشكّل جودة التعليم وتطوير رأس المال البشري الركيزة التي تستند إليها كل برامج الرؤية الوطنية لدول مجلس التعاون الخليجي، إذ لا يمكن لأي اقتصاد أن يُديم نمواً متنوعاً دون قوى عاملة مزوّدة بالمهارات والإبداع والعقلية الريادية التي تتطلبها الصناعات القائمة على المعرفة. وقد استثمرت دول الخليج استثمارات ضخمة في البنية التحتية التعليمية، حتى باتت نفقات التعليم للطالب الواحد في بعض دول مجلس التعاون الخليجي من بين الأعلى عالمياً. غير أن التقييمات الدولية تكشف باستمرار أن مستويات الإنفاق لم تُترجَم بالقدر ذاته إلى مخرجات تعليمية، إذ يُسجّل طلاب مجلس التعاون الخليجي أداءً دون متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في المقاييس المعيارية كبيزا وتيمس وبيرلز.
تُعدّ أجندة إصلاح التعليم في المملكة العربية السعودية، وهي ركيزة محورية في تقييم رؤية 2030، من أكثر أجندات الإصلاح شمولاً في المنطقة، إذ تضم تحديث المناهج وبرامج تدريب المعلمين وتوسيع تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات وتطوير التعليم المهني والتقني وتدويل التعليم العالي. ويكمن التحدي المشترك بين المملكة وسائر دول مجلس التعاون الخليجي في تحويل منظومة تعليم كانت تاريخياً تركّز على الحفظ والتلقين والتأهيل لوظائف القطاع العام، إلى منظومة تُنتج قوى عاملة مبتكرة وقادرة على التكيّف بما يتطلبه الاقتصاد المتنوع. ويتوقف برنامج السعودة مباشرةً على هذه المخرجات التعليمية.
مصفوفة المقارنة
| المؤشر | المملكة العربية السعودية | الإمارات | قطر | عُمان | البحرين | الكويت |
|---|---|---|---|---|---|---|
| الإنفاق على التعليم (% من الناتج المحلي الإجمالي) | ~5.5% | ~3.5% | ~3.2% | ~5.0% | ~2.8% | ~6.0% |
| نقاط بيزا (رياضيات، أحدث) | ~390 | ~435 | ~420 | ~380 | ~400 | ~370 |
| متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (رياضيات) | ~489 | ~489 | ~489 | ~489 | ~489 | ~489 |
| جامعات ضمن أفضل 500 في QS | 6 | 7 | 1 | 0 | 0 | 1 |
| معدل الالتحاق بالتعليم العالي | ~70% | ~45% | ~25% | ~35% | ~55% | ~40% |
| الحرم الجامعية الدولية الفرعية | 2 | +40 | 8 (مدينة التعليم) | 3 | 1 | 1 |
| خريجو STEM (% من الإجمالي) | ~25% | ~22% | ~18% | ~20% | ~16% | ~12% |
| التحاق التعليم المهني والتقني (% من الثانوية) | ~15% | ~10% | ~8% | ~12% | ~10% | ~5% |
التحليل
تتصدّر الإمارات دول مجلس التعاون الخليجي في مؤشرات مخرجات التعليم، بأعلى درجات بيزا في المنطقة وأكبر عدد من الجامعات المصنّفة دولياً. وتمثّل استراتيجية الإمارات القائمة على استقطاب الحرم الجامعية الدولية الفرعية، والتي تأسّست فيها أكثر من أربعين مؤسسة بصورة رئيسية في قرية المعرفة والمدينة الأكاديمية في دبي، منظومةً متنوعة للتعليم العالي تتيح للطلاب الحصول على مؤهلات معترف بها دولياً دون الحاجة للدراسة في الخارج. ويُصنَّف مسار تحسّن درجات بيزا في الإمارات من بين الأكثر ارتفاعاً على مستوى العالم، مما يُثبت أن الإصلاح المنهجي قادر على إنتاج مكاسب قابلة للقياس في المخرجات في غضون عقد واحد.
يُمثّل نموذج مدينة التعليم في قطر أكثر استثمارات التعليم العالي تركّزاً في مجلس التعاون الخليجي، إذ تضم حرم جامعية فرعية لمؤسسات مرموقة كجورج تاون ونورث وسترن وكارنيغي ميلون وطب وايل كورنيل. وإن كان هذا النموذج يخدم عدداً محدوداً من الطلاب مباشرةً، فإنه يُفرز منظومة معرفية ذات مخرجات بحثية وخبرات أكاديمية تنعكس إيجاباً على الاقتصاد القطري ككل. وتحتل قطر المرتبة الثانية في مجلس التعاون الخليجي من حيث درجات بيزا، مما يُشير إلى أن الاستثمار المركّز في جودة التعليم يمكنه أن يُحقّق نتائج غير متناسبة مع حجمه.
يخدم التعليم في المملكة العربية السعودية أكبر شريحة طلابية في مجلس التعاون الخليجي، بما يزيد على ستة ملايين طالب في التعليم العام وما يزيد على مليون في مؤسسات التعليم العالي. وقد استثمرت المملكة بكثافة في تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات من خلال برنامج تطوير لتحديث المناهج، وإنشاء مدارس متخصصة في هذه التخصصات، وتوسيع جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) بوصفها جامعة بحثية عالمية المستوى. غير أن درجات بيزا تبقى دون مستوى الأقران الرائدين في مجلس التعاون الخليجي، مما يعكس تعقيد تحويل جودة التعليم عبر منظومة بالغة الحجم.
تُنفق الكويت أعلى نسبة من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم في مجلس التعاون الخليجي بينما تُسجّل أدنى درجات بيزا، مما يُجسّد بوضوح أن الإنفاق وحده غير كافٍ لإنتاج مخرجات تعليمية. وتعكس هذه الفجوة تحديات هيكلية في جودة المعلمين وصرامة المناهج والمواقف الثقافية من التحصيل العلمي، وهي تحديات لا يعالجها الإنفاق المتصاعد دون إصلاح منهجي مرافق. ويُشكّل هذا النمط مثالاً تحذيرياً بليغاً لكل دول مجلس التعاون الخليجي التي تستثمر بكثافة في التعليم.
موقع المملكة العربية السعودية
تتناسب طموحات الإصلاح التعليمي في المملكة العربية السعودية مع حجم التحدي. فمعدل الالتحاق بالتعليم العالي البالغ نحو سبعين بالمئة يُعدّ الأعلى في مجلس التعاون الخليجي، مما يعكس نجاح توسيع إتاحة الجامعات، وإن كانت مؤشرات الجودة تتأخر عن مؤشرات الإتاحة. ويبني توسع خريجي العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات وتطوير التعليم التقني والمهني من خلال برنامج كليات التميز وإنشاء مراكز بحثية في مؤسسات كجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن قدرات التعليم العالي اللازمة لاقتصاد المعرفة.
يُبرز الفارق بين الإنفاق التعليمي السعودي والمخرجات أهمية إصلاح الجودة على حساب الاستثمار الكمّي. ويعالج برنامج تحديث المناهج في المملكة، الذي يضمّن التفكير النقدي ومحو الأمية الرقمية وتعليم ريادة الأعمال، الضعف الهيكلي لنهج الحفظ والتلقين التقليدي.
المستقبل
تتقارب منظومات التعليم في مجلس التعاون الخليجي نحو أولويات إصلاح مشتركة: التركيز على العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، وتنمية التفكير النقدي، وتوسيع التدريب المهني، ودمج المهارات الرقمية. وستكون قدرة المملكة العربية السعودية على تحسين المخرجات التعليمية على نطاق واسع عاملاً حاسماً في تحديد نجاح رؤية 2030 على المدى البعيد، إذ يتوقف الاستدامة الطويلة الأمد للتنويع الاقتصادي في نهاية المطاف على امتلاك قوى عاملة قادرة على المنافسة في الصناعات كثيفة المعرفة كـالتكنولوجيا والرعاية الصحية. ويُتيح اعتماد التعلم الشخصي المدعوم بالذكاء الاصطناعي وبيئات التدريب بالواقع الافتراضي ونماذج التقييم القائمة على الكفاءات إمكانية لتحقيق تحسين متسارع في منظومات التعليم عبر دول مجلس التعاون الخليجي.